تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وينبغي أن نشير هنا إلى تطور كبير حدث فى التنظيم الحكومي فى عهد المهدي عقب سقوط الأبيض الذي قتل فيه محمد عبد الله شقيق المهدي، كما قتل أيضاً كبار مستشاريه، وبذلك خلا الجو لعبد الله، ولم يعد الناس يذكرونهم إلا قليلاً، مع أن مركزهم فى الواقع كان أعلى من مركز الخليفة عبد الله وبقية الخلفاء حتى هذه الواقعة ( [93] ) .

ومما يلفت النظر أن مكانة الخلفاء الثلاثة قد ارتقت من حيث المراتب، وهذا التطور حدث بعد سقوط الأبيض، أما قبل ذلك، فرغم أن المهدي عنى بإيجاد نظام المراتب فى المهدية فإنه لم يخطط لها نظاماً تفصيلياً، واكتفى بوضع الحد الأدنى لهذه المراتب، فقال أن أدنى اتباعه له مرتبة.

وكان يلي الأمراء فى المرتبة العسكرية ضباط يحملون لقب " مقدم " ( [94] ) وقد استبدله المهدي فيما بعد بلقب " نقيب ".

ويقول (هولت) أنه يبدو أن لفظ " نقيب " لم يلق قبولاً، وأستدل على ذلك بأن المنشورات كانت ترسل فى عهد الخليفة باسم " العملاء والمقاديم ( [95] ) هذا بالرغم من أنه توجد منشورات كثيرة صادرة عن الخليفة وموجهة إلى العملاء والنقباء.

وقد أشار (شقير) إلى أن المهدي أقام مجلساً للشورى يتألف من سبعة أمناء برئاسة أحد الأشراف للفصل فى المسائل الإدارية عقب سقوط الخرطوم، كانت قراراتهم تحمل ختم المهدي بعد موافقة الخليفة عليها ( [96] ) .

وليس هناك سوى أربع وثائق تحمل قرارات هذا المجلس فى تظلمات تقدم بها بعض سكان الخرطوم مما نزل بهم، ويرى (هولت) أن الشهور الستة ما بين سقوط الخرطوم ووفاة المهدي، كانت بلا شك كافية للبت فى هذه المطالب والتظلمات ( [97] ) .

النظام المالي:

يعد النظام المالي هو الأساس الثاني الذي قامت عليه الدعوة المهدية، وقد نشأت الحاجة إلى وضع نظام مالي بسبب الغنائم الوفيرة من أسلحة وذخائر ودواب وأموال وسلع ورقيق التي وقعت فى أيدي المهدية، وقد حاول المهدي أن يبين حكم الشرع أن الغنيمة هي ملك للجماعة الإسلامية توزع عليها حسب حاجتها وليست ملكاً للأفراد.

وبعد سقوط الأبيض بدأ من الواضح ضرورة وضع أساس لجهاز يدير الشئون المالية للدولة، وهو الذي أطلق عليه " بيت المال " وهو نفس الاسم الذي كان يطلق على الإدارة المالية فى العهود الإسلامية، ويبدو أن أحمد سليمان وهو من قبيلة المحس ومن أقرب المقربين للمهدي كان يتولى شئون بيت المال هذا، قبل أن يعلن المهدي توليته لهذا المنصب رسمياً فى جمادى الثانية 1300هـ (إبريل مايو 1883) ( [98] ) وبعد انتصار شيكان، وضع المهدي أساساً لتوزيع الغنائم طبقاً للشريعة الإسلامية، فكان يناله شخصياً بوصفه قائداً للجماعة خمس الغنائم، ويوزع الباقي على هذه الجماعة أي يذهب إلى بيت المال (98) .

ويبدو أن المحاربين كان يخفون الغنائم ولا يقدمون عنها بياناً ( [99] ) ورغم تحذير المهدي من إخفاء الغنيمة، فقد استمروا يخفونها بعد وفاته وتوليه الخليفة بدليل المنشورات الكثيرة التي أصدرها الخليفة يحذرهم من ذلك.

ثم فرضت ضريبة العشر وهي الزكاة على الماشية والغلال، وقد طلب المهدي من الأصحاب والخلفاء بصفة خاصة أن يعاونوا عبد الله فى جمع الغنائم والزكاة من أجل بيت المال ( [100] ) وقد أطلق على هذه العملية "خدمة حقوق الله ".

النظام القضائي:

أخذت المهدية باعتبارها قائمة على دعوة دينية سلفية وعلى اعتبار أيضاً أن المهدي يقتدي أثر رسول الله صلي الله عليه وسلم ببعض النظم والوظائف القضائية التي عرفت في الدولة الإسلامية الأولي، وكان على رأس تلك الوظائف وظيفة " قاضى الإسلام " فبالرغم من أن المهدي كان القاضي الأعلى في دولته مثلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين، إلا أنه أسند منصب " قاضي القضاة " أو قاضى الإسلام إلى الشيخ أحمد ودجباره ( [101] ) ، وجعل دونه قضاة ونوابا كثيرين ( [102] ) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٢١٧٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٢١٧٠