تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد أورد لنا محمد ضيف الله في طبقاته تراجم وسير لمائتين من شيوخ هذه الطرق وما تردد عن معجزاتهم.

وفى الحقيقة يمكننا أن نقول أن آفة هذه الطرق هو ارتباطها في بعض الحالات بالخرافات وقد يرجع الكثير منها للأصول الوثنية التي كان عليها الناس قبل وصول الإسلام فبعض هؤلاء كان يدعي القدرة علي الرؤيا (vision) وهذه تلعب دوراً كبيراً في الحياة الدينية في السودان إلي الوقت الحاضر. وهي " رؤيا " بالتحليق في السماوات وأحياناً يدعون رؤيا النبي صلي الله عليه وسلم نفسه استناداً إلي الحديث الشريف الوارد في صحيح البخاري عن أنس أن النبي صلي الله عليه وسلم قال " من رآني في المنام، فقد رآني حقاً لأن الشيطان لا يتمثل بي " ( [49] ) وعلي ذلك فرؤيا النبي مصدقة لدي العامة من المسلمين. ولهذا الحديث أهميته، فإن المهدي محمد أحمد والخليفة عبد الله أيضاً من بعده سوف يلجأن للرؤيا لتبرير أعمالهما وقراراتهما.

بل وبعض هؤلاء كان يزعم بأن الشريعة التي تنطبق أحكامها علي عامة الناس لا تسري عليه، لأنه يرتبط بالله ارتباطاً وثيقاً ( [50] ) . ويطلق علي أمثال هؤلاء الملامتيه ( [51] ) .

وكان الملامتية في السودان كنظرائهم من ملاميتة البلاد الإسلامية الأخرى – حسبما جاء في طبقات ود ضيف الله ( [52] ) .

وأدعي لبعض أن لهم القدرة علي تحويل الماء إلي سمن وعسل وإلي اليوم يقولون في السودان عن الفقيه الماهر (هو فقي يروب ألما) وأشهر هؤلاء حسن ود حسونه المتوفى سنة 1664 وادعوا أنه كان لديه القدرة على ذلك ( [53] ) ، وإذا تناقل الناس ادعاءات قدرة الشيخ حسن ود حسونه، فليس من المستغرب بعد ذلك أن يؤمنوا بما كان يدعيه محمد أحمد والخليفة عبد الله من بعده برؤيا النبي صلي الله عليه وسلم. فالخليفة عبد الله أصدر منشور المعروف في بداية حكمة لتأييد حقه في الخلافة، وجاء فيه أنه ابتلع شعره من شعر المهدي عند مقبرته، وهي شعره لا تعدلها الدنيا بأكملها، فانكشف عنه الغطاء ( [54] ) .

هذه هي المرحلة الأولي التي مرت بها الطرق في السودان، أما المرحلة الثانية فقد جاءت نتيجة لحوادث دارت خارج السودان.

إذ بدأ أن مرحلة الجمود التي كان يمر بها العالم الإسلامي قد قاربت النهاية وظهرت حياة جديدة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ويرجع ذلك أصلاً إلي رد الفعل الذي أحدثه التوسع الاستعماري الأوربي في الدول الإسلامية مما أدي إلي ظهور طرق جديدة تلتزم بالاتجاه الجديد.

ففي عام 1800 دخلت السودان الطريقة السمانية علي أيدي أحد أفراد قبيلة الجموعية وهو أحد الطيب البشير ولم يلبث أن تبعه خلق كثيرون من بين أفراد الجموعية والكواهلة والحلاويين في الجزيرة ( [55] ) .

وكان شيخ هذه الطريقة وقت ظهور محمد أحمد هو الشريف محمد نور الدائم الذي كان شيخاً للمهدي ثم أنفصل عنه محمد أحمد واتخذ لنفسه طريقته الخاصة.

ولعل أحدا لم يحرز نفوذاً في السودان كما أحرزه السيد أحمد بن إدريس الفاسي (1760 – 1837) ، وهو أحد كبار المصلحين الذين تأثروا بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعمل أتباعه علي نشر طريقته بين المسلمين والوثنيين علي السواء، ورغم أنه أسس الطريقة الإدريسية التي لا تزال تمارس نشاطها في السودان ومركزها في دنقله، وهناك فروع لها في عسير تنتمي إلي هذه الطريقة، إلا أن تأثير أحمد بن إدريس الأكبر جاء عن طريق تلاميذه وهم:

1- محمد المجذوب الصغير 1796 – 1832.

2- محمد عثمان الميرغني 1796 – 1832، مؤسس الطريقة الميرغنية أو الختمية في الشمال والشرق، وهي واسعة الانتشار، وهي قد سبقت الفتح المصري بقليل، ومثل هذه الطرق كانت تعطف علي الحكم المصري، لأنها بحكم تكوينها ووجودها ليست سودانية بالمعني الوطني الحرفي، بل هي إسلامية لها أتباع وأسانيد وموارد خارج حدود السودان الضيقة، فالميرغني ولد في الحجاز عام 1793م، وحين زار السودان لأمور تتعلق بالطريقة في عام 1817 تزوج امرأة من دنقلة، وكان أبنه الحسن نائبه في السودان وخلفه عام 1853 م عقب وفاته، وقد ذهب محمد عثمان إلي أن طريقته قد أتت علي كل الطرق الأخرى وأتمتها ولذلك أعلن عليها (خاتم الطرق) ومنهما الختمية وهي أكبر منافس للمجذوبية.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٢١٦٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٢١٦٥