تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الدعوة في السودان

وتأثرها بالدعوة السلفية

" دراسة تاريخية وثائقية "

د. عمر سالم عمر بابكور

الأستاذ المشارك في التاريخ الحديث والمعاصر

جامعة أم القرى - كلية الشريعة والداسات الإسلامية - قسم التاريخ الإسلامي

ملخص البحث

رغم أن إعلان محمد أحمد “ المهدية ” قد يباعد بينه وبين ما دعا إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب، إلا أن المتتبع لسيرته سواء منذ بداية دعوته وبعد إعلان المهدية ومن خلال تراثه الفكري بعد المهدية المتمثل في منشوراته ومجالسه وخطبه بالإضافة إلى حكومته الإسلامية التي أقامها في السودان، وسياسته الخارجية التي حملت التوجيه الإسلامي الخالص، يلاحظ مدى عمق العلاقة بين المهدية في السودان ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية.

فقد تأسى محمد أحمد “ المهدي ” بالشيخ محمد بن عبد الوهاب منذ بداية دعوته فقد ظل فترة من الزمن يدعو سلماً بالمواعظ والكتب والرسائل والوفود، للعودة إلى منابع الدين الأولى وترك البدع ومظاهر الشرك، وإحياء سنن الشريعة، والزهد في الدنيا والإقبال على الآخرة، ومحاربة الفساد.. وهذا يتفق مع ما جاء في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية منذ بدايتها أيضاً وحملات رسائله بالدعوة إلى بعض بلدان وإمارات نجد.

ثم نلاحظ أسلوبه الجهادي وعقيدته السلفية ومنهجه السلفي في الإصلاح في معظم مناشيره التي تغطي الفترة منذ إعلانه المهدية في “ أبا ” حتى فتح “ الخرطوم ” ونهاية الحكم القائم وعموم دعوته، مثل الشيخ محمد بن عبد الوهاب لتبليغ الدعوة وإزالة مظاهر الشرك والبدع وإقامة مجتمع إسلامي في حكمه، وظهرت عقيدته السلفية بوضوح في تلك المناشير وأيضاً منهجه السلفي للإصلاح ونلاحظ الاتفاق في المضمون فيما دعا إليه الاثنين من العودة بالإسلام إلى عصوره الزاهرة وترك البدع والمنكرات وإن اختلفا في الأسلوب لأن كل واحد منهما كان يخاطب قومه باللغة التي يفهمونها وكان هم كل منهما منصرفاً إلى المعاني لا إلى العبارات.

مقدمة:

بدأت دعوة محمد أحمد الإصلاحية عندما بني جامعاً للصلاة وخلوة للتدريس والتعبد وبدأ في بث أفكاره ومبادئه بين سكان جزيرة أبا والقبائل المجاورة لها، سالكاً منهجاً قويماً في العبادة والزهد والغيرة علي الدين وداعياً إلي بناء مجتمع ديني يأخذ مقوماته من المجتمع الذي أقامه الرسول صلي الله عليه وسلم، وصحابته، واستطاع أن يكسب لأفكاره ومبادئه الكثير من الاتباع والمريدين، عاهدوه علي السمع والطاعة، والتمسك بأوامر الدين، والانتهاء عن نواهيه، والاستعداد إلي نصرة الحق، وإقامة سنن الشريعة الإسلامية.

ثم انتقلت دعوته الإصلاحية إلي طور جديد عندما أعلن أمام صفوة من العلماء ورجال الدين وبعض رجال الدولة الذين حضروا حفل ختان أولاد شيخه محمد شريف سنة 1878 م أن ما أقدم عليه شيخه من إجازة الرقص والغناء واللهو في الحفل مخالف للشريعة الإسلامية، ورغم أن ما أعلنه سّبب الخلاف والقطيعة بينه وبين شيخه إلا أنه قد خرج من هذا الخلاف منتصراً عليه ومؤيداً من قطاعات عريضة من السودانيين بسبب قوة تدينه وغيرته علي الشريعة والإسلام، وصار حديث العلماء ورجال الدين والعامة بعد أن أذاع أنه أنفصل عن شيخه لأنه خالف الشريعة والسنة، فأصبح شخصية لها محبة خاصة في قلوب السودانيين.

فاستغل محمد أحمد (المهدي) هذا الانتشار وتلك الشهرة التي حققها في بث ونشر أفكاره ومبادئه والتمكين لها في جميع أنحاء السودان فبدأ في تقوية اتصالاته بالعلماء ورجال الدين والإصلاح فكتب إلي بعض العلماء ورجال الدين المرتبطين بالحكم التركي المصري يدعوهم إلي الزهد في الدنيا وشهوتها، والإقبال إلي الآخرة 00 وكتب أيضاً إلي بعض رجال الدين والعلماء يعلمهم أن الدين قد أصبح غريباً بسبب شيوع البدع ومظاهر الشرك ويدعوهم للوقوف معه لإقامة الدين وأحياء سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم 0

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٢١٥٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٢١٥٧