تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المأزمين، فأناخ، فأنخنا، ونحن نحسب أنه يريد أن يصلي، فقال غلامه الذي يمسك راحلته: إنه ليس يريد الصلاة، ولكنه ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما انتهى إلى هذا المكان قضى حاجته، فهو يحب أن يقضي حاجته) ( [174] )

قال أنس بن مالك ( [175] ) رضي الله عنه: - (كنا قعوداً مع النبي صلى الله عليه وسلم – فعسى أن يكون قال: ستين رجلاً – فيحدثنا الحديث، ثم يدخل، فنتراجعه بيننا، هذا ثم هذا، فنقوم كأنما زُرِع في قلوبنا)

وعن أبي زيد عمرو بن أخطب الأنصاري رضي الله عنه قال:- (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر، وصعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل فصلى، ثم صعد المنبر، فخطبنا، حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان وبما هو كائن، فأعلمنا أحفظنا) ( [176] )

فقول القائل:- لو كان عند الصحابي في هذه الواقعة شئ عن النبي صلى الله عليه وسلم لذكره.

قول من لم يعرف سيرة القوم وأحوالهم. فإنهم كانوا يهابون الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعظمونها ويقللونها خوف الزيادة والنقص ( [177] ) ويحدثون بالشيء الذي سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم مراراً ولا يصرحون بالسماع ولا يقولون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( [178] ) .

فتلك الفتوى التي يفتي بها أحدهم لا تخرج عن ستة أوجه:-

أحدها:- أن يكون سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم.

الثاني:- أن يكون سمعها ممن سمعها منه.

الثالث:- أن يكون فهمها من آية من كتاب الله فهماً خفي علينا.

الرابع:- أن يكون قد اتفق عليها ملؤُهُم ولم ينقل إلينا إلا قول المفتي بها وحده.

الخامس:- أن يكون لكمال علمه باللغة ودلالة اللفظ على الوجه الذي انفرد به عنا أو لقرائن حالية اقترنت بالخطاب أو لمجموع أمور فهموها على طول الزمان من رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ومشاهدة أفعاله وأحواله وسيرته وسماع كلامه والعلم بمقاصده وشهود تنزيل الوحي ومشاهدة تأويله الفعل فيكون فهم ما لا نفهمه نحن.

وعلى هذه التقادير الخمسة تكون فتواه حجة بجب اتباعها.

السادس:- أن يكون فهم ما لم يرده الرسول صلى الله عليه وسلم وأخطأ في فهمه. والمراد غير ما فهمه.

وعلى هذا التقدير لا يكون قوله حجة.

ومعلوم قطعاً أن وقوع احتمال من خمسة أغلب على الظن من وقوع احتمال واحد معين هذا ما لا يشك فيه عاقل. وذلك يفيد ظناً غالباً قوياً على أن الصواب في قوله دون ما خالفه من أقوال من بعده وليس المطلوب إلا الظن الغالب. والعمل به متعين. ويكفى العارف هذا الوجه.

قلت: هذا الوجه وإن كان وقوعه عقلاً مُمكِناً إلا أنه مما لا يجوز وقوعه -ولم يقع - شرعاً لمخالفته قول الحق تبارك وتعالى:- ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر 9] .

فلو وقع لنصب الله عليه دليلاً – كأن ينكره عليه الرسول صلى الله عليه وسلم أو أحد من صحابته -يبين بطلانه لئلا تعمل الأمة بالضلال وتعتقد الباطل طيلة المدة السابقة حتى جاء المتأخرون فزيفوه واهتدوا للحق الذي خفي على أولئك الكرام، ومجرد تصوره يكفي للحكم ببطلانه.

أما المدارك التي شاركناهم فيها من دلالات الألفاظ والأقيسة فلا ريب أنهم كانوا أبر قلوباً، وأعمق علماً، وأقل تكلفاً، وأقرب إلى أن يوفقوا فيها لما لم نوفق له نحن لما خصهم الله تعالى به من توقد الأذهان، وفصاحة اللسان، وسعة العلم، وسهولة الأخذ، وحسن الإدراك، وسرعته، وقلة المعارض أو عدمه، وحسن القصد، وتقوى الرب تعالى.

فالعربية:- طبيعتهم وسليقتهم.

والمعاني الصحيحة:- مركوزة في فطرهم وعقولهم.

ولا حاجة بهم إلى النظر في الإسناد وأحوال الرواة وعلل الحديث والجرح والتعديل.

ولا إلى النظر في قواعد الأصول وأوضاع الأصوليين.

بل قد غنوا عن ذلك كله.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ٢٠٩٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ٢٠٩٦