7- مصطلح القراءة المشهورة عنده:
لقد استخدم الحافظ مصطلح " المشهورة، الشهيرة " مرات كثيرة ( [264] ) ، ويريد بها القراءة المقبولة غالباً، وهو يذكرها في مقابل القراءة الشاذة المردودة، يدل على هذا قوله المتقدم: (وإنما أوسعت القول في هذا لما تجدد في الأعصار المتأخرة من توهم أن القراءات المشهورة منحصرة في مثل التيسير والشاطبية) ( [265] ) أهـ. وقال في قراءتي " يتفيؤا ظلاله" بالتاء وبالياء ( [266] ) : (وتتفيأ في روايتنا بالمثناة الفوقانية أي: الظلال، وقرئ أيضاً بالتحتانية أي شئ، والقراءتان شهيرتان) ( [267] ) أهـ.
قلت: بالتاء قراءة أبي عمرو ويعقوب، وبالياء قراءة الباقين. ( [268] )
وفي قراءة " والجار ذي القربى والجار الجنب " ( [269] ) أورد إنكار الفراء لقراءة النصب فيها، ثم قال: (وكأنه نفى المشهور، وإلا فقد قرئ بها أيضاً في الشواذ) ( [270] ) أهـ. ولما نقل جملة من القراءات الشاذة في سورة الفرقان قال بعدها: (فهذه ستة وخمسون موضعاً ليس فيها من المشهور شيء) ( [271] ) أهـ.
قلت: فهذه النصوص عنه تبين أن إطلاقه للمشهور يريد به المقبول من القراءات، ويقابلها الشاذ، وهذا في غالب إطلاقاتها عنده، لكن وقع في موضع واحد – فيما وقفت عليه – أنه عدَّ قراءة الأعمش – وهي شاذة – من المشهور فيما يظهر من كلامه، والله أعلم، حيث قال في قراءة "جِبلاً" من قوله تعالى:"ولقد أضلّ منكم جِبِلاً ( [272] ) ما نصه: (وفيها ( [273] ) قراءات: ففي المشهور بكسرتين وتشديد اللام لنافع وعاصم، وبضمة ثم سكون لأبي عمرو وابن عامر، وبكسرتين واللام خفيفة للأعمش، وبضمتين واللام خفيفة للباقين، وفي الشواذ بضمتين ثم تشديد، وبكسرة ثم سكون، وبكسرة ثم فتحة مخففة، وفيها قراءات أخرى) ( [274] ) أهـ.
قلت: وهذا يؤيد ما تقدم ذكره في شروط القراءة المقبولة عنده، وأنّه لم يحصرها في السبع أو العشر، والله أعلم.
تنبيه: وفي موضع واحد – فيما وقفت عليه أيضاً – وقع منه ضد ذلك، إذ عدَّ قراءة أبي جعفر من غير المشهور فيما يفهم من كلامه، مع أنها قراءة عشرية، إذ أورد قول أبي عبيدة في قوله تعالى: (فلما أن أراد أن يبطِش بالذي هو عدوٌ لهما) ( [275] ) بالطاء مكسورة ومضمومة لغتان، ثم قال: (قلت: الكسر القراءة المشهورة هنا وفي قوله تعالى: "يوم نبطِش البطشة الكبرى " ( [276] ) والضم قراءة أبي جعفر، ورويت عن الحسن أيضاً) ( [277] ) أهـ.
قلت: فلعله أراد بالمشهورة هنا: قراءة الأكثر، والله أعلم.
8 - مصطلح "الجمهور" عنده:
استخدم الحافظ مصطلح "الجمهور" في مواضع، وأراد به أكثر القراء العشرة-فيما يفهم من كلامه- في مقابل الأقل منهم، كقوله في قراءة "وإذاً لا يلبثون خِلَفك" ( [278] ) : (قلت: والقراءتان مشهورتان، فقرأ "خَلْفَك" الجمهور، وقرأ "خِلافك" ابن عامر والأخوان، وهي رواية حفص عن عاصم) ( [279] ) أهـ. وكذا قوله في قراءة "هنالك الوَلاية" ( [280] ) : (وقرأ الجمهور بفتح الواو، والأخوان بكسرها) أهـ ( [281] ) .
وفي مواضع أخرى أطلق مصطلح "الجمهور"وأراد به جميع العشرة ومن وافقهم، في مقابل أصحاب القراءات الشاذة، فمن ذلك قوله في قراءة "قاموا كُسالى" ( [282] ) (قلت: وهما قراءتان قرأ الجمهور بالضم وقرأ الأعرج بالفتح، وهي لغة بني تميم، وقرأ ابن السميفع بالفتح أيضاً، لكن أسقط الألف وسكن السين …) الخ. ( [283] ) وكذا في قراءة "أو كانوا غُزًّى" ( [284] ) حيث قال: (وقرأ الجمهور "غزّاً" بالتشديد جمع غاز …) إلى أن قال: (وقرأ الحسن وغيره "غزاً" بالتخفيف) أهـ. ( [285] ) وقال في قراءة "إنّه كان حُوباً" ( [286] ) : (والجمهور على ضم الحاء، وعن الحسن بفتحها) أهـ. ( [287] )
تنبيه (1) : وقع لدى الحافظ وَهْمٌ في نسبة قراءة سبعية إلى الشذوذ، ورجح عليها قراءة " الجمهور" حيث قال: (قوله: باب قوله تعالى " فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أَيمان لهم " ( [288] ) قرأ الجمهور بفتح الهمزة من "أيمان" أي لا عهود لهم، وعن الحسن البصري بكسر الهمزة وهي قراءة شاذة، وقد روى الطبري عن طريق عمار بن ياسر وغيره في قوله "إنهم لا أيمان لهم " أي لا عهد لهم، وهذا يؤيد قراءة الجمهور) ( [289] ) أهـ.