ووجه الغرابة في هذه المناظرة أن الرجل ذهب إلى موافقة الحنفية في الحكم واستدل بنقيض دليلهم. فالحنفية يرون حرمة قتل الجاني إذا دخل الحرم، ولا يجيزون القتال في الحرم إلا إذا بدأ الكفار القتال فيه (16) ، ويستدلّون على ذلك بقوله تعالى:) ومن دخله كان آمنا ( [آل عمران: 97] ،وبقوله تعالى:) ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه ( [البقرة: 191] .
والحنفية يخالفون الجمهور في فهمهم لتخصيص العام فإنهم يشترطون في الدليل ليكون مخصصاً للعام أن يكون مستقلاً عن جملة العام مقارناً له في الزمان، بأن يردا عن الشارع في وقت واحد (17) ، وذلك كقوله تعالى:) وأحلّ الله البيع وحرّم الربا ( [البقرة: 275] ، فإن دليل التخصيص في هذه الآية مستقل مقارن.
ولذلك فالحنفية يعرّفون التخصيص بقولهم: هو قصر العام على بعض أفراده بدليل مستقل مقترن (18) ، وإذا كان الدليل مستقلاً، ولكنه لم يكن مقارناً للعام، بل متراخياً عنه، فلا يسمى ذلك تخصيصاً، بل نسخاً أي رفعاً للحكم. فإذا تراخى دليل التخصيص فإنه يكون نسخاً لا تخصيصاً خلافاً لمذهب الجمهور في المسألة.
فهذا الرجل استدل برأي الجمهور في تخصيص العام (19) ووافق الحنفية في الحكم، فهو وإن وافق سائله في الحكم إلا أنه قلب عليه الاستدلال، وهذا ما دعى الإمام ابن العربي للقول: فأبهت القاضي الريحاني، لأن الريحاني كان حنفي المذهب الفقهي.
وقد جاء ذكر هذه المناظرة في قانون التأويل (20) لابن العربي بشكل أتمّ، حيث قال: قال مجلّي (21) في أوّل مجلس: من قتل في الحرم، أو في الحل، فلجأ إلى الحرم قتل، لأن الحرم بقعة لو وقع القتل فيها لاستوفي القصاص بها، فكذلك إذا وقع القتل في غيرها، أصله الحلّ.
فقال له خصمه وهو حنفي المذهب لا يمتنع أن يقع القتل فيها ولا تعصمه، وإذا قتل في غيرها ولجأ إليها عصمته، كالصيد إذا لجأ إلى الحرم عصمه، ولو صال على أحد في الحرم لما عصمه، وذلك أن القاتل في غير الحرم إذا لجأ إليه فقد استعاذ بحرمته، وقد قال سبحانه وتعالى:} ومن دخله كان آمنا ( [آل عمران: 97] ، وإذا قتل فيه فقد هتك حرمته وضيّع أمنته، فكيف يعصمه؟ فقال له مجلّي: هذا الذي ذكرت لا يصح ولا يلزمني، لأن الحرم لم يحترم بحرمة القاتل، ولا باعتقاده واحترامه، وإنما احترم بحرمة الله I.
وأما قوله سبحانه وتعالى {ومن دخله كان آمنا (فإنما عني به ما كان عليه الحرم في الجاهلية من تعظيم الكفار له، وأمن اللائذ منهم به، ودار الكلام على هذا النحو، ثم دخل علينا بمدرسة أبي عقبة الحنفي ببيت المقدس رجل ثم ذكر المناظرة كما جاءت في تفسيره أحكام القرآن.
ثم علّق على هذه المناظرة بقوله: وأعجب لبعض المغاربة (22) ، ممن قرأ الأصول يحكي عن أبي حنيفة أن العام ينسخ الخاص (23) إذا كان متأخراً عنه، وهذا ما قال به قطّ ولولا أن أبا حنيفة ناقض (24) ، فقال: لا يبايع في الحرم ولا يكلّم ولا يجالس ولا يعان بمأكل ولا بمشرب ولا بملبس حتى يخرج منه، فتؤخذ العقوبة منه، ما قام له في هذه المسألة أحد.
ثانياً: حكم الوقوف والأحباس
في قوله تعالى: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون ( [المائدة: 103] .
والبحيرة: هي الناقة يشقون أذنها لتكون معلومة للناس أنها على هذه الصفة، فكانت تخلّى دون راع فلا تطرد من مرعى ولا يركبها أحد ولا تذبح ولا تباع، وقيل: إن البحيرة هي ابنة السائبة، وقيل غير ذلك. أما السائبة فتطلق على البعير أو الناقة التي تسيّب بنذر يكون على الرجل إن سلّمه الله من مرض، أو بلّغه منزلاً في سفر فتصبح مخلاة لا قيد عليها ولها نفس أحكام البحيرة.
والوصيلة: كانت في الغنم إذا ولدت عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن ليس بينهن ذكر، قالوا: وصلت، فكان ما ولد منها بعد ذلك للذكور دون الإناث إلا إذا كان ميتة فهم فيه شركاء.