تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 132

لقد مر على ذلك حتى الآن خمس وعشرون سنة، مات فيها زيدان، وتعاقب على العرش بعده ثلاثة من أبنائه، هم عبد الملك، والوليد، ومحمد الشيخ.

وإذا كان العياشي لم يتعرض لشيء من كيدهم بسلا أو فاس أو المهدية أو العرائش أو غيرها، فغنما كان ذلك لبعد هذه النواحي عن العاصمة «مراكش» ولضآلة ما كان الملوك السعديون يتمتعون به من نفوذ بهذه النواحي في هذه الفترة، لقد كان نفوذهم الفعلي لا يتعدى نهر أم الربيع، وبذلك استطاع العياشي أن يكسب في الشمال حرية التصرف والعمل، أما الجديدة فإنها قريبة من العاصمة، قريبة من متناول أيدي الملوك السعديين أبناء زيدان، لذلك سيكون على العياشي فيها أن يحارب البرتغاليين من جهة، وان يأخذ حذره حتى لا يصطدم بالسعديين من جهة أخرى.

ومع كل ذلك، فقد أقدم العياشي على حرب البرتغاليين بالجديدة، أو على استئناف الحرب معهم إذا أردنا الدقة في التعبير، وكان النصر حليفه هنا أيضا كما كان حليفه من قبل في كل حركاته، إذ اشتبك مع البرتغاليين إلا القليل، أما الملك السعدي محمد الشيخ، أو صاحب مراكش كما يدعوه بعض المؤرخين المغاربة، فقد فاجأته الحركة، وفاجأه النصر السريع، لكنه لم يملك لكل ذلك إلا أن (يستنكره) ويتأسف له، وأن يستأنف معه أفراد حاشيته والمحيطين به والمقربين إليه، وقبل أن يظهر لهذا الاستنكار أي أثر عملي، كان العياشي قد عاد إلى سلا، بجيوشه، ليستأنف السير منها على فاس، فقد كانت فاس في هذه المدة في أشد الحاجة إليه لتسوية خلاف داخلي بها بين السكان المواطنين.

وهكذا كان العياشي دائما حركة دائبة لا تنقطع، يعمل في كل ميدان، كان يحارب العدو المحتل، وكان يحارب الخيانة، وكان يعمل لاجتناب الاصطدام بالسعديين، وكان يجمع صفوف المواطنين ويعالج ما يقع بينهم من خلافات أو مشاكل، وكانت الطريق لا تزال أمامه طويلة، ومشاريعه كثيرة، كان يريد أن يفعل الكثير جدا أكثر مما فعل، لكن العصر الذي كتب عليه أن يوجد فيه لم يقدم له المساعدة الكاملة، والمواطنين الذين كان بخدمهم لم يكن لديهم استعداد صحيح للاستجابة، أو للصمود والاستقرار.

*

ومع ذلك فقد كان كل شيء متوقعا إلا شيئا واحدا فقط، لم يكن من السهل توقعه، ذلك أن يقتل البطل الشعبي محمد العياشي بأيدي مواطنيه، لكن هذا هو الذي وقع بالفعل، ولم يكن له مع ذلك أي سبب مباشر معقول.

ولو كانت القصة التي نسوقها اليوم خيالية لعد من فشل كاتبها أن يضع لها مثل هذه النهاية الباردة، لكن التاريخ لا يتطلب عنده أن يرتب الأحداث ترتيبا فنيا، أو أن يختار لها النهايات المناسبة، أن جريان الأحداث التاريخية لا يعترف بالقواعد الفنية، بل انه أحيانا ينكر حتى المنطق نفسه، أن المطلوب من التاريخ، فقط، أن يروي، وان يحلل الأحداث، ويعللها ما استطاع سبيلا إلى التعليل، وان كانت الأحداث التاريخية تستعصى على التعليل في كثير من الأحيان.

*

وقصة مقتل العياشي، قصة تافهة باردة، لا تتناسب مطلقا مع بطولته وكفاحه وإقدامه، ولا تكاد تتصل بالأحداث التاريخية الكبرى في حياته، وأن كانت تتصل اتصال وثيقا بما كان يسود العصر من فساد، وما كان في صفوف المواطنين من خلاف واضطراب وعدم انسجام.

ونحن لا نزال نذكر قصة الجالية الأندلسية بالرباط، والموقف الأخير الذي اتخذه العياشي منهم بعد حرب لمهدية، وبعد استفتاء العلماء والفقهاء وإقناعهم بجواز قتالهم، وما كان من قتل من ثبتت عليه الحجة منهم، وفرار كثير منهم داخل المغرب وخارجه، وقد ألجأ بعض هؤلاء الفارين على الزاوية الدلائية بتادلا.

كانت الزاوية الدلائية في هذه المدة في عنفوانها وشرح شبابها، كانت مراكز العلم والنفوذ الروحي الكبير، وكان الدلائيون مرشحين للعرش من بين المرشحين له في هذه الفترة الحالكة من تاريخ المغرب.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٦٢٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٦٢٨