دعوة الحق، السنة الأولى، العدد العاشر
دعوة الحق، س. 1 ع10 /ابريل 1958 ............... ص 1
الشيخ محمد عبده: موقفه من الشبه والمتشابه
للزعيم: الأستاذ علال الفاسي
القسم الثاني من المحاضرة العلمية القيمة، التي ألقاها بفاس
الزعيم الأستاذ علال الفاسي، بدعوة من جمعية العلماء
2
والآن وقد عرفنا قيمة العقل في نظر عبده. فماذا كان موقفه من علم الكلام وموقفه من الفلسفة؟
نجد الجواب على ذلك في مقدمة رسالة التوحيد، حيث تعرض الأستاذ في إيجاز مفيد لتاريخ علم الكلام وكيف نشأ من المسائل العقلية التي أرشد إليها القرآن بتوجيه البشر إلى الفكر والنظر واستخلاص المجهول من المعلوم، ثم اخذ يتسع بعد الخلافات السياسية التي وقعت بين الصحابة وما ترتب عنها من مذاهب دينية، احتاج السنيون معها إلى المقارعة بالدليلين العقلي والنقل، ولكن هذا الخلاف لم يكن يؤثر في تمسك جميع المسلمين بالإحكام الدينية وإتباعها، إلى أن نشأت فرق الباطنية التي أخذت تفسرا لقرآن بما يبعد عن الخطاب. بعد الخطأ بعد الخطأ عن الصواب. فتألب المسلمون ضدهم وبدأ النظر في الفلسفة القديمة، فتكونت جماعات من رجال العلم والدين، أمثال الأشعري، والباقلاني. وأمام الحرمين، تسلك مسلكا وسطا بين المتطرفين من السلفيين والمنحرفين من العقليين، ثم صمد إتباعهم في الأدلة التي نظموها، إلى أن جاء الغزالي فحرر علم الكلام من التحجر في الأدلة، وبين كيف أن دليلا أأدلة قد يظهر بطلانها، ولكن قد يستدل على المطلوب بما هو أقوى منها، فلا وجه للحجر على الاستدلال، ثم بين كيف اختلطت مسائل الكلام بمسائل الفلسفة، ثم كيف انتشرت الفوضى العقلية بين المسلمين تحت حماية الجهلة من ساستهم ثم ختم قائلا:
هذا مجمل من تاريخ هذا العلم، ينبئك كيف أسس على قواعد من الكتاب المبين، وكيف عبثت به في نهاية الأمر أيدي المفرقين، حتى خرجوا به عن قصده وبعدوا به عن حده.
وهكذا يمكننا أن يؤكد أن موقف عبده من علم الكلام الإسلامي، موقف التأييد والعضد، ولكن على أساس التجديد والإصلاح، فهو يدعو إلى تنقيته من شوائب الأبحاث الفلسفية الخارجة عن موضوعه، كما يدعو إلى النظر في موازينه وأدلته وتجديد ما يحتاج للتجديد منها، عملا بقول الغزالي: (أن دليلا أو أدلة قد يظهر بطلانها ولكن قد يستجد ما هو أحسن منها).
ومادامت المسألة مسألة اجتهاد وعمل على التوفيق بين صريح المنقول وصحيح المعقول فلم لا يواصل المسلمون وخاصة علماؤهم جهودهم في هذا الميدان الذي ه في نظرا لكثير من علماء الغرب، أقوى العناصر الإنسانية في الحضارة العربية، والعجيب أن يقوم المسلمين أشخاص مثل الأستاذ احمد آمين، والدكتور هيكل، يرددان نهاية علم الكلام، فيقول الأول: أن أدلته لا تصلح إلا للمعتقد، ويدعو الثاني إلى المذهب الايجابي، مع أنه من الممكن لكل منهما بذل الجهد لاثباث وجود الله وصفاته بالطرق التي يريانها، دون إلغاء علم كامل بذل فيه الإسلاف من الجهد والعمل الشاق مالا يستطيع احد منا اليوم بذل عشر معاشره.
نعم أن الأسلوب الذي تدرس به كتب الكلام و المنطق الإسلامي، وهو غير المنطق الارسططاليسي، في المعاهد الدينية، هو أسلوب عقيم استغنى بالقشور عن اللباب، ولكن هذا ماينبغي معالجته بوسائل البحث الحديث والكتابة المستجدة، وكم يعجبني أن أنوه هنا