دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 131
وكانت الخيانة في هذه المرة أيضا من الجالية الأندلسية التي كأبد منها ما كأبد من قبل.
كان الأندلسيون إبان هذه الحرب تجارا محتكرين يختزنون الأقوات ويختصون بها أنفسهم ويغلون ثمنها على من يطلبها من المواطنين والمجاهدين.
وكانوا في صفوف المجاهدين مثبطين متقاعسين يبخلون بالخدمة ويماطلون فيها، وقد اعتمد عليهم العياشي مرة في صنع سلالم طويلة، كان يريد أن يستعملها المجاهدون في اعتلاء أسوار المهدية، فوعدوه بذلك، وظلوا يماطلون في تنفيذه إلى أن وصلت الإمدادات الحربية إلى الاسبانيين فلم تعد السلالم تغني شيئا عن المجاهدين.
بل أنهم فعلوا أكثر من ذلك، فقد كانوا خلال المعركة عيونا للاسبانيين ينقلون غليهم أخبار المجاهدين ونواياهم وخططهم، وكانوا عونا للإسبانيين بمدنهم بالطعام وغيره.
وقد حاول بعض المؤرخين المغربة أن يعلل هذه الظاهرة الغربية، فغن الذي كان منتظرا من المهاجرين الأندلسيين الذين جاءوا إلى المغرب فرارا من عف الاسبانيين واضطهادهم، أن يغتنموا الفرصة التي وأتتهم للانتقام من أعدائهم، والشدة في حربهم، لا أن يكونوا عونا وعيونا لصالحهم.
واهتدى هذا المؤرخ إلى تعليل قد لا يبعد كثيرا عن معنى الكلام الذي قلناه سابقا ونحن نتحدث عن المحنة الروحية التي عاشتها الأجيال الناشئة بالأندلس بعد الاحتلال المسيحي وقبل الهجرة الجماعية الأخيرة، تلك المحنة التي استمرت ما ذكرنا مائة وستة عشر سنة، عاشها هذا الجيل الناشئ أو الأجيال الناشئة بالأندلس في خوف واضطراب وقلق كبير، وفي حيرة قاتلة زعزعت إيمانهم، ونالت من اعتزازهم بدينهم وقوميتهم.
يقول المؤرخ المغربي (أحمد الناصري) في كتاب (الاستقصا) عند التحدث عن دور الأندلسيين في المعارك التي دارت في المهدية بين العياشي وبين الاسبانيين، يقول: (وكانت تلك لرابطة بين أهل الأندلس والنصارى متوارثة من لدن كانوا بأرضهم، فكانوا آنس بهم من أهل المغرب)
وعلى كل فإنها ظاهرة معقدة، متعددة الجوانب، تحتاج إلى كثير من الشرح والتفسير والتحليل والإيضاح.
المهم الآن، أن محمد العياشي قد قرر بعد الفراغ من أمر المهدية أن يصفي حسابه مع الجالية الأندلسية، وان يقلم أظفارها ويعيدها إلى رشدها، وقد بدا من ذلك باستفتاء العلماء ورجال الدين أولا، فأفتوه بجواز قتالهم، وتردد بعضهم في ذلك، وهو الفقه المشهور عبد الواحد بن عاشر، صاحب المرشد المعين، إلى أن تأكدت لديه خيالتهم وممالأتهم للعدو وخدمتهم له، فأفتى هو الآخر بذلك، واجتمعت الكلمة أخيرا على أن أفراد هذه الجالية خارجون على الأمة محاربون لها مساعدون لأعدائها عليها، فاعمل محمد العياشي السيف في رقابهم، فقتل منهم كل من ثبتت الحجة عليه، وفر كثير منهم داخل المغرب وخارجه، وأعلن الباقون توبتهم واستعدادهم للتفكير عن خطاياهم، وأعطوه على ذلك العهود والمواثيق.
وبذلك اطمأن العياشي على صفوفه، وبدأ يعد العدة لجولة أخرى مع الاسبانيين، وكانت الجولة هذه المرة في العرائش، ونحن لا نرى موجبا هنا للدخول في التفاصيل حربية أخرى، المهم أن محمد العياشي قد انتصر في العرائش أخيرا في معركة فاصلة بعد مناوشات متعددة، ويروي التاريخ أنه قد قتل في هذه المعركة الفاصلة من الاسبانيين نحو الآلف، وفر الباقون منهم برؤوسهم وجلودهم لا يلوون على شيء.
عاد العياشي بعد ذلك إلى سلا، حيث تفرغ مدة لاستقبال الوفود القادمة إليه من أطراف المغرب، تهنئه بالنصر والتوفيق، وتعلن له طاعتها وولائها، ومناصرتها، وترجوه أن يمضي فيما هو بصدده حتى يحقق النصر الكامل، وحتى يحرر الشواطئ المغربية نهائيا من الاسبانيين والبرتغاليين، وكان في هذه الوفود علماء كثيرون، خصوصا من مدينة فاس.
انتهى العياشي من الاسبانيين بالمهدية والعرائش، فعاد من جديد يفكر في البرتغاليين بالجديدة.
البرتغاليون!! لقد كان خليقا أن يكون قد انتهى من أمرهم لولا تدخل الملك زيدان السعدي، ولولا حملته التأديبية التي كان قد بعثها من مراكش برئاسة القائد «محمد السنوسي» تلك الحملة التي رأى محمد العياشي أن يتجنب الاشتباك معها، وأن يفر «هاربا» من وجهها تحت جنح الليل.