دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 133
وقد حاول الدلائيون أن يشفعوا للفارين من الجالية الأندلسية عند محمد العياشي، لكنه لم يقبل فيهم شفاعة، والدلائيون لم يتعودوا أن ترد شفاعتهم أو أن يبخس قدرهم، يضاف على ذلك، أن الدلائيين كانوا قد بدأوا هم أنفسهم يتغيرون على محمد العياشي ويتجاهرون بعدم الاطمئنان إليه، وقد وجدوها فرصة سانحة لتأليب المواطنين عليه والدعوة إلى حربه، وعند ما كان العياشي راجعا على سلا من طنجة في إحدى حركاته، وجد الدلائيين مترصدين له بالطريق في جموع من إتباعهم والمشايعين لهم من نواحي تادلة وغيرها مما استطاعوا أن يحشدوه أثناء الزحف.
وحاول العياشي على عادته في مثل هذه الظروف أن يتجنب الاصطدام، حاول أن يتنكب طريقهم بالفعل، وأن يفر من وجههم فلم يفلح في ذلك، واضطر أخيرا إلى الدخول في الفتنة التي ظل يتحنها طيلة حياته، ولم يكن رجل فتنة، فلم يستطع أن يصمد فيها، وانهزم لأول مرة في حياته.
انهزم البطل ... واضطر إلى الفرار، ولجأ على قبيلة (الخلط) في الشمال الغربي من المغرب، لحمايته، وفي ظروف وقعت رأسه، ووضعت بذلك حدا لآلامه، كما وضعت بذلك حدا لمرحلة من مراحل الكفاح الوطني الشريف.
*
وهكذا انتهت حياة محمد العياشي بمأساة، لا لأنه قتل، ولكن لأنه قتل بأيدي مواطنيه الذين وقف حياته على خدمتهم والذب عنهم والكفاح من اجلهم، وقف حياته على تحريرهم، وقف حياته على جمع شملهم وتطهير صفوفهم وتوحيد كلمتهم وحضهم على قتال عدوهم.
ولئن كان العياشي لم ينجح في معركة التحرير كل النجاح، فإنه قد نجح في انجاز حلقات مهمة منها، ومهما يكن، فقد بذل من أجلها جهده، ووقف عليها حياته وراحته وفكره، فاستحق بذلك أن يخلده التاريخ، وإن يحتفظ له بأجمل الذكريات وأنبلها، وكفى بذلك شرفا في الدنيا، والله عنده أجر عظيم.