دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 130
حتى يتيقن من مواطئ أقدامه، أقدامه، وحتى يعرف أصدقاءه من أعدائه وخصومه، وحتى يتبين الوجوه، فيعرف من بينها من يلازمه إيمانا بدعوته ومبدئه، ومن يلازمه لأنه يتحين به الفرصة، ليقدمه قربانا رخيصا على مذبح الخيانة والغدر والارتشاء.
وهكذا لازم أبطل محمد العياشي بيته، وأرخى العنان قليلا للأحداث لتسير وحدها كما تشاء، وقد سارت بالفعل، فإذا هؤلاء الأندلسيون الذين كانوا عيونا عليه لمصلحة الملك السعدي زيدان، قد انقلبوا حربا على الملك نفسه، وذلك في قصة تاريخية لا صلة لها بالموضوع الذي نعالجه، وثاروا بقائده (الزعروري) عليهم، فقتلوه ونهبوا بيته، فبعث إليهم الملك من طرفه قائدا آخر، فقتلوه كما قتلوا سلفه من قبله، وأعلنوها حربا سلبية على الملك أن صح هذا التعبير، حرب عصيان وخروج عن الطاعة، حرب فوضى وإضراب وسلب ونهب وتعد على الحرمات والأموال.
أما محمد العياشي، فقد كان لا يزال حتى هذه الساعة ساكنا يرقب الأحداث، وينتظر هدوء العاصفة، ليستأنف دعوته إلى التحرير والجهاد.
كان محمد العياشي، يحصر همه في حرب العدو الدخيل، أما الثورات والفتن الداخلية، فقد كان سلبيا بالنسبة إليها، ربما لأنه لم يكن يميز فيها وجه الصواب، وربما لأنه كان يرى كل المشتركين فيها ظلمة، فكان يصعب عليه أن يحدد موقفه منهم جميعا، كان يريد لأن يلقى الله بريئا من الفتنة، كان يريد أن يلقاه شهيدا مجاهدا نقي الصحيفة سليم القلب مرتاح الضمير.
كان محمد العياشي ينتظر أن تهدأ العاصفة، ولكن السكان فكروا أن هذه العاصفة لا يمكن أن تهدأ إلا على يديه، فقرروا أن يخرجوه من صمته، وأن يحملوه على عمل شيء ما، شيء يقضي على آثار الفتنة، ويعيد إلى الناس الهدوء والاطمئنان، ويشغلهم بحرب عدوهم عن التفكير فيما بينهم من خلافات أو حزازات، ولم يمتنع محمد العياشي عن الاستجابة لهذه الرغبة، لكنه أشترط لذلك أن يأخذ على الناس العهود والمواثيق حتى لا يعودوا فينفضوا من حوله، أو يصبحوا حربا عليه، وحتى لا ينتقل إلى أذنيه مرة آخري ما يتهامس به بعض الناس من أن حرب العدو لا تحل إلا في ركاب السلطة الشرعية الرسمية، أو بموافقتها على الأقل.
كان محمد العياشي قد أصبح في نظر الناس جميعا المنفذ الوحيد الذي تنعقد عيه الآمال وتتوجه إليه الأنظار، أصبح رمز التحرير والجهاد، أصبح زعيما روحيا وحربيا وسياسيا، فلم يكن من الصعب أن يحصل على ما يطلبه من العهود والمواثيق، وتدفقت عليه فتاوى العلماء من أطراف المغرب بمشروعية الحرب المقدسة التي يتزعمها ضد المستعمرين والمحتلين وأسلس إليه رؤساء العشائر قيادهم، وأمضوا له بالمبايعة والطاعة والوقوف رهن إشارته، وإتباعه فيما يسعى عليه.
وعزم العياشي أمره على أن يبدأ من جديد، وفكر في هذه المرة أن يجعل نقطة البداية جمع كلمة المواطنين بكل وسيلة ممكنة، حتى بالحرب أن اقتضى الحال، فإن القضاء على العدو الدخيل يستلزم أولا القضاء على الخيانة التي يعتمد عليها العدو في الدرجة الأولى للانتصار على المواطنين والفت في عضدهم وتفريق كلمتهم وحماهم على الإذعان والاستسلام، أن الانتصار في الحر التحريرية يستلزم إلا يكون بين المواطنين خارج، أو منحرف، أو خائن متخاذل، أو مرتش طماع، يجعل مصلحته الشخصية هي العليا وفوق كل اعتبار، وهكذا بدأ العياشي هذه الجولة بالقضاء على رؤوس الفتنة في القبائل القريبة والمجاورة، وامتد نفوذه الفعلي إلى الفاس التي كانت تشكو هي الأخرى من فتنة محلية، فقصدها بنفسه وطهرها، وأعاد إليها الأمن والنظام، واستطاع بكل ذلك أن يكون له مجال نفوذ واسع، وأن يجمع حوله كلمة المواطنين في جزء مهم من الوطن الذي يدافع عنه، وأحس من نفسه الثقة بالنصر إذا هو واجه العدو في جولة أخرى.
وكانت هذه الجولة في المهدية ضد الاسبانيين مرة ثانية، وتعددت الاشتباكات بين الفريقين، وكثر القتلى والجرحى، وكان النصر منذ البداية حتى النهاية حليف المجاهدين المغاربة بقيادة زعيمهم محمد العياشي، وأسر في هذه الاشتباكات المتعددة كثير من الجنود الاسبانيين، فيهم بعض الضباط، وأطلق سراح كثير من المغاربة الذين كانوا من قبل أسرى عند الاسبانيين يعملون في تسيير السفن الاسبانية، ويكلفون بأداء أشق الأعمال، وانتهى محمد العياشي من هذه الجولة ضد العدو الدخيل ليعود لتصفية حسابه مع الخيانة من جديد.