تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 129

أخيرا أن يعرفوا الأمن والراحة والهدوء والاطمئنان، لكنهم كانوا بحاجة إلى مدة طويلة جدا، قبل أن يتم انصهارهم، وقبل أن يمتزجوا بمواطنيهم الجدد امتزاجا كاملا، وقبل أن تشفى نفوسهم من كل ما كان قد ألم بها من المحن المادية والمعنوية.

وكان من الطبيعي أن يكون حظ المغرب من هؤلاء المهاجرين الأندلسيين الحظ الأوفر، لقرب المسافة، وللصلات القوية التي ظلت تربط تاريخ الأندلس بتاريخ المغرب أحقابا متتالية، وهكذا استقر معظم المهاجرين إلى المغرب من الأندلس، بتلمسان وفاس وتطوان والرباط.

وفي الرباط بالذات، كان للجالية الأندلسية المهاجرة تأثير كبير في مجرى الأحداث التاريخية التي نتناولها اليوم بالكلام.

*

كنا مضطرين أن نقف هذه الوقفة لنقول ذلك أن محمد العياشي كتب عليه أن يعود إلى سلا على أثر هذه الهجرة الجماعية من الأندلس إلى المغرب، وكتب عليه أن يستأنف الدعوة إلى الجهاد فيس سلا والرباط معا، في بيئة غير مستقرة، ينعدم الانسجام بين أصحابها انعداما كليا، وتتعدد فيها الاتجاهات، وتختلف المصالح، وتضطرب النفوس.

كانت سلا والرباط تعشان في هذه الفترة-كما أسلفنا- عملية (صهر) صعبة ومتعقدة، وكان من اللازم على من يريد أن يقوم بعمل ايجابي فيهما أن يتريث قليلا حتى يهدا المرجل، ويصفو الجو، ويتحدد الاتجاه.

لكن محمد العياشي لم يتريث، وأنى له أن يفعل، والعدو على الأبواب، يستحل دماء المواطنين وأموالهم، ويستذل كبرياءهم، ويعبث فسادا في أرضهم، وهذه (المهدية) و (العرائش) يحتملهما الأسبان ويحكمون السيف في رقاب أهليهما كما يحكمه البرتغال في رقاب إخوانهم (بالجديدة) وهكذا حاول العياشي مرة أخرى أن يلهب حماس السكان بسلا والرباط كما فعل من قبل في آزمور وناحيتها، وزاول أن يكون من السكان جميعا في المدينتين المتجاورتين قوى شعبية يحارب بها الأسبان في المهدية والعرائش.

وكما ضيق العياشي الخناق على البرتغاليين بالجديدة من قبل، فقد استطاع أن ينكل بالحامية الاسبانية بالمهدية، ويذكر المؤرخون أنه قتل من الاسبانيين في أول التحام بينهم في المهدية وبين جيش التحرير المغربي البطل محمد العياشي نحو من أربعمائة جندي، كما قتل من المواطنين مائتان وسبعون.

وطارت أخبار النصر على مراكش لتقلق مرة أخرى راحة املك السعدي زيدان وحاشيته الوفية المخلصة، ولتنبههم من جديد إلى هذا الخطر الموهوم عليهم وعلى العرش، لقد كانوا يظنون أنهم تخلصوا من هذا العياشي ومن نشاطه الذي لا حد له، فإذا هو يبعث في الواجهة الأخرى، وإذا ينتصر فيها كما انتصر في سألفتها من قبل، فماذا يكون من أمرهم وأمر العرش لو تمادت المعارك بالعياشي من نصر على نصر، ولو استطاع أن يكتل حوله من القوى الشعبية ما لا قبل لهم به ولا قدرة لهم عليه.

واجتمع الرأي سريعا على أن محمد العياشي يجب التخلص منه بأي ثمن، وإذا لم يكتب النجاح في ذلك من قبل، للقائد محمد السنوسي الذي كان على رأس الحملة التأديبية التي ذهبت إلى آزمور لتأتي برأس محمد العياشي، فربما نجح في ذلك الآن القائد (الزعروري) قائد الفرقة العسكرية الأندلسية المقيمة بالرباط، وجاء الأمر إلى (الزعروري) بالرباط لينفذ الخطة المدبرة، لكنه آثر قبل الإقدام عليها أن يستشير ضباط الفرقة العسكرية الأندلسية فكان الرأي الأخير، أن يتريثوا قليلا، وأن يحيطوا العياشي بجماعة منهم لتتجسس عليه وتختبر نواياه الحقيقية، لتعرف دخيلة أمره وما هو عازم عليه.

وأحس العياشي بالجو من حوله مكفهرا مظلما، وزكمت رائحة الخيانة الكريهة أنفه مرة أخرى، وأحس أنه مغرور، وأن الغدر لا يأتيه في هذه المرة في صورة حملة تأديبية، وإنها يأتيه من المحيطين به والأقربين إليه، يأتيه من هؤلاء الذين يعتمد عيهم في نصرته، والذين كانوا إلى الأمس القريب معه في الواجهة يحاربون معه الاسبانيين في المهدية جنبا إلى جنب.

وكما قرروا هم أن يتريثوا قليلا، فقد قرر هو أيضا أن يتريث، وأن يكتفي بمراقبة الأحداث والأحوال، وان يصمت فلا يتكلم، ويهدا فلا يتحرك،

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٦٢٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٦٢٥