دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 128
شواطئ المغرب، ويعيشون في الأرض الفساد، ويستذلون المواطنين أبشع استذلال وأسواه.
أن هي إلا مرحلة من مراحل الكفاح، ولابد من إحدى الحسنين، من نصر مؤزر كامل، أو شهادة تفتح الطريق إلى الله على مصراعيه، وما دامت هذه الشهادة المرجوة لم تتأت بعد، فلا مناص مطلقا م مواصلة الكفاح.
لقد عاد محمد العياشي غل (سلا) ليستأنف الكفاح من جديد، ويقف وجها لوجه أمام سلسلة طويلة من المتاعب ظلت حلقاتها تتقاذفه إلى أن أسلمته أخيرا إلى الموت.
ولكي نستطيع أن نفهم حقيقة المتعب الجديدة التي جابهها محمد العياشي، ر فنحن مضطرون أن نقف وقفة قصيرة، قد تساعدنا على فهم الظرف التاريخي الدقيق الذي كانت تعيشه سلا والرباط في هذه الأيام فقد كانت المدينتان المتجاورتان تعيشان في هذه الفترة التاريخية الدقيقة، عملية (صهر) صعبة ومعقدة، كانتا تعانيان من حالة (عدم انسجام) بين السكان، وكان ذلك يرجع في أصوله إلى الغزو المسيحي للأندلس المسلمة، وإلى انتصاره فيها واضطهاده المسلمين بها، وإلى اضطرار هؤلاء لخيرا إلى الهجرة على البلاد الإسلامية المختلفة، وغلى المغرب من بينها على وجه الخصوص.
كان ذلك أواخر القرن الخامس عشر عندما ثم للمسيحيين نهائيا الاستيلاء على الأندلس، وذلك باستيلائهم سنة 1492 على غرناطة آخر معتقل من معاقل المسلمين بها، وكان ذلك بشروط كثيرة، أهمها احترام حرية التدين لكل واحد من السكان. لكن المسيحيين نكثوا عهودهم جميعا، ونكثوا على رأسها تعهدهم بترك الحرية للمسلمين أن يحتفظوا بدينهم، وان يمارسوا شعائره في حرية كاملة، واشتد البلاء في ذلك الوحشية والتعسف وشدة النكير، وأخبار محكمة التفتيش معروفة مستقصاة في كتب التاريخ، لا نرى موجبا لذكرها، أو سرد أمثلة من مخازيها وضراوتها وقسوتها المتناهية، وإنما الشيء المهم الذي نريد أن ننص عليه هنا، أن هذه المحنة قد استمرت أكثر من قرن كامل من سنة (1492) التي تم للمسيحيين فيها الاستيلاء على غرناطة إلى سنة (1608) التي قرر المسيحيون فيها التخلص نهائيا ممن بقي بين ظهرانيهم من المسلمين، وذلك بإجلائهم عن أرض الأندلس وحملهم على الهجرة منها على حيث يشاؤون.
في هذه المدة التي تزيد عن قرن كامل بنحو سنة عشر سنة، كان قد تنصر من المسلمين بالأندلس من تنصر، وفر بدينه من استطاع سبيلا إلى الفرار، وصمد الباقون يتظاهرون بالطاعة، ويختلفون إلى الكنائس كما يختلف النصارى، فإذا عادوا إلى بيوتهم أغلقوا عليهم وأقاموا صلاتهم، وقرأوا القرآن، وتوجهوا إلى الله يطلبون منه أن يكشف عنهم البلاء.
وفي هذه المدة أيضا، نشأ بين المسلمين بالأندلس، جيل جديد معوج العقيدة ملتوي الضمير، موزع بين الإيمان بهذا الدين الذي رأى آباءه يقيمون شعائره في خفية، ويحرصون عليه رغم التنكيل والعذاب والامتحان العسير، وبين هذا الدين المنتصر الغالب، الذي تقام شعائره في الكنائس الكبيرة المليئة بالأثاث والزخرف والنقوش والتماثيل، وعلى أصوات الموسيقى الهائلة المؤثرة، وترانيم الصبية والعذاري من الراهبات والأخوات، نشأ هذا الجيل موزعا بين ذلك، ونشأ موزعا أيضا بين الكراهية لهؤلاء يحتقرونه ويعذبونه ويعذبون قومه، وبين الإعجاب بمجموع صفاتهم التي آتتهم القوة والغلبة، نشأ مترددا حائرا لا يستقر على شيء، ولا يكاد يؤمن بشيء حتى يجذبه غليه غيره.
وأخيرا، وعندما قرر المسيحيون في الأندلس، أن يتخلصوا نهائيا من المسلمين، كتب على هذا الجيل الذي نتحدث عنه، أن يتعرض لمحنة أخرى، كادت تهد فيه بقية الإيمان بدينه وقوميته، ذلك أن المسلمين عبروا البحر من الأندلس ليتفرقوا في بلاد الإسلام فرارا بدينهم، أو ببقايا دينهم، لكنهم تعرضوا أثناء هجرتهم في بلاد المسلمين نفسها إلى كثير من القلق والخوف، تعرضوا لتنكيل اللصوص وبطشهم وقسوتهم، تعرضوا للغش والتدليس والمساومة، تعرضوا للبهيمية الجامحة التي لا تعرف الحدود، تعرضوا لكل أنواع البلايا التي يمكن أن يتعرض لها مهاجر يصحب معه أبناءه وبناته وكل ما يملك من متاع، وفي ظروف عدم استقرار وامن بالبلاد التي يهاجر إليها، فقد كان العالم الإسلامي كله في أوائل القرن السابع عشر، مسرحا للظلم العثماني من جهة، ومسرحا للفوضى والاضطراب من جهة أخرى.
واستقر هؤلاء المهاجرون أخيرا بمختلف البلاد الإسلامية، بالمغرب العربي، ومصر، وسورية، وغيرها، ووصل بعضهم إلى القسطنطينية، وآن لهم