تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 127

محمد العياشي إلى مراكش، حيث يعلق على أسوارها عبرة للخارجين على الدولة والمؤتمرين بسلامتها.

ويبدو أن القائد (محمد السنوسي) كان رجلا عسكريا شريفا، لم يقتنع بمشروعية الحملة التي اختير ليكون على رأسها، ولم يستطيع في نفس الوقت أن يمتنع من تنفيذ الأمر الذي ألقي غليه، فقرر أن يحتال لنفسه وان يجد له مخرا من هذه الورطة التي زجوا به بين أحضانها.

ومن يدري؟ فربما كانت نفسه تحدثه وهو في الطريق إلى آزمور على رأس الحملة، أن محمد العياشي يقوم بواجب وطني، كان هو بصفته عسكريا أولى بالقيام به، وكان وجوبه أكد بالنسبة إليه هو نفسه، فلماذا يحاربه وهو ليس ثائرا أو خارجا على الدولة أو مجاهرا بالعصيان؟ وإنما هو رجل وطني مخلص حر الضمير، برز من صفوف الشعب ليرفع راية الكفاح ضد الاحتلال الأجنبي، وكان أولى بالدولة أن تساعده على أمره، ببدل أن تحاول التخلص منه، كان أولى بها أن تنوه به وترفع من ذكره، وتمده بما قد يحتاج إليه من مال أو عتاد، فإذا لم تفعل، فلا أقل من أن تتركه يحاول انجاز المهمة التي لم يطلب من أجلها أجرا ولم يكلف الدولة مساعدة، وإنما اكتفى بالاعتماد على القوى الشعبية الكامنة، التي لا يحتاج، لكي تعمل، إلى أكثر من تحريك وجدانها، وإثارة عاطفتها الوطنية.

وأخيرا اهتدى القائد (محمد السنوسي) إلى حل للمشكلة، بعث على محمد العياشي على جناح السرعة، وهو في طريق إليه، بعض من يثق بهم من خواصه المقربين إليه، بعث إليه يطلب منه أن يهرب من آزمور قبل أن يصل هو إليها، فقد جاء إليه باسم الملك، لكي يقتله، ولكي يحمل رأسه هدية إلى سيده المطاع.

كان من ممكن أن يرفض محمد العياشي فكرة الهروب، وان يصمد للحملة التي بعثها غليه الملك، كما صمد من قبل للبرتغاليين، لكن حرب العدو غير حرب الصديق، وقتال الدخيل الأجنبي مهما تكن قوته، أيسر من قتال المواطن، مهما يكن ضعفه، ومهما يبلغ الإيمان بظلمه وانحرافه، ورحم الشاعر العربي القديم.

وظلم ذوي القربى اشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند

وهكذا خرج محمد العياشي (هاربا) من مدينة آزمور، خرج متسللا في خاصته والمخلصين لدعوته، لم تمش معه البنود، ولم تصدح له الموسيقى، ولم تشيعه دموع الأهالي ولا هتافاتهم.

جاء على آزمور وفي قلبه آمال، وخرج منها وفي قلبه حسرة، جاء إليها ليحارب العدو والدخيل، وخرج منها هاربا كما يهرب اللصوص والمجرمون والسفاكون والقتلة.

ودخل مدينة آزمور بعد ذلك بقليل، القائد العسكري محمد السنوسي، على رأس حملته التأديبية واستشاط غضبا عندما أخبروه أن محمد العياشي قد هرب، واستعمل كل وسيلة ممكنة للبحث عنه فلم يعثر له اثر، يحث عنه في كل بيت، واشتد في عقاب كل من تتوجه إليهم شبهة إخفائه أو التستر عليه واستمر في ذلك زمنا حتى خامره اليأس من العثور عليه، وأخيرا عاد على مراكش ليخبر الملك أن محمد العياشي قد هرب، وان الحملة لم تنجح النجاح المطلوب، ولكنها مع ذلك لم تفشل كل افشل، فقد كفينا أمر هذا (العياشي) وعادت المياه على مجاريها م جديد.

*

خرج محمد العياشي من آزمور (هاربا) وحط رحله مرة أخرى بمدينة (سلا) بعد أن كان قد فارقها تسع سنين كاملة (من سنة 1604 - 1614) وعاودته الذكريات ذكريات هذه السنين التسع الأخيرة بما كان فيها من كفاح وجهاد وصبر وتضحية، وذكريات ما قبلها من السنين، يوم أن كان مجرد طالب بسيط، يطلب المعرفة والكرامة، ويوم أن كان شيخه الجليل يتنبأ له بالمستقبل الزاهر والمجد الكبير.

ترى قد تحقق كل ما كان يتنبأ له به شيخه؟ ترى أن العودة على (سلا) هي نهاية المطاف فلم أنها لا تعدو أن تكون نهاية شوط من أشواطه؟.

وجاءه الجواب سريعا، أن العودة إلى سلا لا يمكن أن تكون نهاية المطاف، فالظلم والفوضى والاستبداد والاضطراب لا يزال كلها ضاربة أطنابها، والأعداء من البرتغاليين واسبانيين لا زالوا يقتسمون عددا من

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٦٢٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٦٢٣