دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 126
أو يحسبون أعواطفه أي حساب، وكيف يقيمون وزنا لعواطف الشعب، وهو يظهر التودد إليهم، والترحيب بهم، ويتحفهم بالهدايا، ويتلقاهم بالزغاريد. قد يكون ذلك خوفا، أو (تقية) أو استسلاما للقوة، إيمانا بها، المهم انه واقع أليم، يصعب على النفس احتماله، ويشعر الإنسان بالخزي والحسرة من مجرد قرأته أو الاطلاع عليه.
وهذه زوجة الحاكم البرتغالي بالجديدة، تريد يوما أن تلهو فلا تقترح إقامة مسرح، ولا تطلب استدعاء مهرجين، ولا تفكر في الخروج إلى نزهة، وغنما تطلب إلى زوجها العزيز، أن يقترح على حاكم (آزمور) المغربي، تنظيم مناورات حربية بين الجيش البرتغالي بالجديدة، والجيش المغربي بآزمور، ويتم كل شيء وفقا لرغبة صاحبة السعادة زوجة الحاكم البرتغالي المدللة، ويحدث أثناء المناورة أن يقتل جندي برتغالي جنديا مغربيا، فيحتج حاكم آزمور المغربي على ذلك، فيجيبه حاكم الجديدة البرتغالي بمنتهى البرودة والبساطة:
- وأي باس في ذلك، لقد مات شهيدا كما تقولون. في هذا الجو المفعم بالخزي والهوان، كتب عل محمد العياشي أن يظهر بناحبة آزمور، ليدعو إلى الكفاح المسلح ضد البرتغاليين. وليس هذا موطن العجب، وإنما موطنه، أن محمد العياشي قد نجح في محاولته، وقد استطاع أن يحرك الضمائر ويلهب العزائم، وان يحشد من القوى الشعبية، ما استطاع به أن يدخل في معارك متعددة ضد البرتغاليين.
وتشاء الصدفة أن يموت في هذه الأثناء، الحاكم المغربي لمدينة آزمور وناحيتها، فلا يجد الملك السعدي زيدان بن أحمد المنصور، خيرا من محمد العياشي ليقلده أعباء الحكم بهذه الناحية الرابضة على أبواب الخطر، أما لأنه أولى من يقوم بهذه المهمة، وأما لأنه أصبح هو الحاكم الفعلي لمدينة آزمور وناحيتها وصاحب الكلمة الأولى فيها، فيكون من حسن السياسة أقراره رسميا على ذلك.
مهما يكن، فقد أصبح محمد العياشي يحكم آزمور وناحيتها باسم الملك، ولم تشغله الوظيفة الطارئة عن مواصلة العمل لإتمام المهمة التي بدأها، فاستمر في حرب البرتغاليين، وانتصر عليهم في معارك عدة وامسك بخناقهم، وكاد النصر أن يتم له نهائيا على قواهم المحتلة الباغية، لولا أنهم لجأوا معه إلى نوع من المقاومة لم يحسب له حسابه منذ البداية، ولم يكن في استطاعته أن يتقيه أو يصمد له.
لجأوا إلى نوع من المقاومة قوامه الرشوة، وشراء الضمائر، والكيد، والخسة، وكل ما هو معروف من أساليب الاستعمار والاحتلال الأجنبي عندما تخذله القوة، وعندما يصطدم بالوطنية الصادقة والعزم الأكيد.
لم يستطيع البرتغاليون أن يهزموا (محمد العباسي) في ميدان المعركة بين آزمور والجديدة، فقرروا أن يهزموه بعيدا عن أرض المعركة، هناك في مراكش، وفي بلاط الملك نفسه.
قرروا أن يهزموه بيد الملك الذي ولاه آزمور إيثارا له على غيره، أو خضوعا للأمر الواقع، وإذا كانت الحرب تكلف الكثير جدا، خسائر في الأنفس والأموال والعتاد، فإن هذه الحرب التي شنها البرتغاليون على محمد العياشي في بلاط الملك، لن تكلفهم أكثر من بعض (الهدايا) يتحفون بها رحال الحاشية، ويتركون لذكائهم بعد ذلك، أن يولى البحث عن طريقة للخلاص من محمد العياشي.
وتخرس ضمائر رجال الحاشية، لتتكلم (الرشاوي) التي تملأ جيوبهم وبطونهم، وتفوح في الجو رائحة الخيانة خبيثة كريهة تزكم الأنوف، ويقتنع الملك بسهولة، أن محمد العياشي هذا يجب التخلص منه بأية وسيلة، فقد قوى ساعده واشتد عوده، وقد أصبح ذا نفوذ كبيرة مما يمكن أن يسمح به للولاة وحكام الأطراف.
أن محمد العياشي هذا لٌد أصبح خطرا على العرش، على الملك نفسه، فلماذا لا يتلخص منه، لماذا لا يبعث إليه بحملة تاذيبية؟ لماذا لا يطلب رأسه ثمنا لما سببه من إزعاج للدولة الآمنة المطمئنة، واحتياطا مما يخاف منه المستقبل من أخطار قد سيتعصي التخلص من آثارها بعد أن تكون قد وقعت بالفعل؟؟
*
وهكذا وقع الاختيار على القائد (محمد السنوسي) ليكون على رأس هذه الحملة التأديبية، وليأتي برأس