دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 123
الأوربية. وكان الأمير اللمتوني، كان على تلك العقلية المعتمدية-الشوقية، التي تحفل بالبراق من القول والخلب من الحديث، وتؤثره على الاهتمام بمصاير الأمم، والتأثير على سير التاريخ، وتوجيهه الوجهة التي تتلاءم والمصالح الوطنية والعقائدية.
ثم نجد أمير المسلمين وقد نزلت به في رأي «أحمد» «بربرية» وبدائيته، على الحد الذي يبدو فيه انه لا يستطيع التمييز بين الخير والشر، ثم يتدنى به «شرهه» و «نهمه» إلى الدرك الذي لم يعد فيه لديه أمام المال والنشب تقدير لأي من القيم الأخلاقية والإنسانية، ثم لم ينس أن يصب على «السلطان الشحيح» -كما شاءت مروءة أبطاله أن يصفوه- جاما من النعوت والأوصاف الأكثر دلالة على تدني الطبع ورداءة الخلق ونذل الدخلة (1).
ولا جرم أن كل هذا الشعور المرير، الذي يشعه هذا الأسلوب الثائر، هو وليد شعور صادق مخلص، انفعل به وجدان «أحمد» أمام «مأساة زميله أسير أغمات، وملك الصابرين، كما شاء أن يصفه.
وعلى هذا الأساس، فليس لنا أن نذهب بعيدا في تقديم موقف الشاعر الروائي، لأنه كأشباه له كثيرين، كان واقعا تحت عاطفته، ومنفلتا من سلطان منطقيتهن عندما بدرت منه كل هذه التعبيرات غير الجميلة وغير الشعرية. غنما الذي يعنينا جدا هو ما يمكن أن نصل إليه من التأكيد بان يوسف وان كان إنسانا يضطرم قلبه بالنزوات والمراغب وتستعر نفسه بالبدوات والأهواء، لم يكن في جوهر الأمر واقعا وقوعا تاما تحت تأثير مظاهر الضعف الخلقية هذه، وذلك عندما اتخذ بادرته الفاصلة ضد نظام الطوائف، الذي كان يوجه مصاير الأندلس المسلمة. واكبر آيات ذلك أن ما ينحله من التأثر بمفاتن تلك البلاد، مما قد يمكن أن يكون أساسا حقيقيا لتدخله في شؤونها يناقضه ما نراه من عزوفه عن الإقامة بها طويلا، وإيابه بتلك السرعة المثيرة، بعد أن حقق أهدافه السياسية لا «المتمتعة» فيها، وبمجرد أن اطمأن على استقرار الأحوال والمجريات في ربوعها؛ ثم ما نلاحظه من عدم وجود ما يؤكد أنه كان يغترف من فيض متعها، أو ينهل من حياض لذائذها، أو يفيد منها في استمداد أصول عظمته الشخصية أو مجده الفردي الخاص.
فعملية تجريد الأندلس من الطائفية لم يتح ليوسف-باعتبار المراغب الخاصة- فرصا جديدة، ولم يفسح له آفاقا أخرى لم يكن له من قبل غليها من سبيل، وإنما كان التدخل وسيلة لتصحيح أوضاع كان تعديلها ضرورة حتمية لخير العدوتين، ولمستقبل النظام السياسي، الذي كان يحدد دورهما كمكمن أمين للإشعاع العربي والإسلامي، في ضفتي الجزء الغربي من المتوسط.
*
وبعد: فغن اسر المعتمد كان في الواقع حادثة مؤسية ومشجية، ومثيرة لكثير من مشاعر الرثاء والإشفاق لأنها مفعمة بالعناصر الدراماتيكية القوية التأثير، وحافلة بالصور المثيرة والمشاهد العنيفة، المستفزة للشعور، حين يتشخص للذهن كيف يتنكر الدهر، وتتقلب الجدود، وتتلون الأيام، وتتقرر النهايات والمصايير، ولكن ليس هناك مفهوم لان يتخذ ذلك تكأة للولغ في المقدرات المعنوية لرجل، لو لم يكن ثمة ما يسوغ تصرفه من خلق أو دين، فغنه كان على الأقل يجد تبريرا لسلوكه من حيث النظر السياسي البعيد. على انه لم يكن على حد ما متجافيا أيضا مع مفاهيم بعض الجوانب الدينية، أو متنائيا ومبادئ أخلاق معينة، وان كان متناقضا بعض الشيء، ولا نتلمس له الكمال-مع أخلاق معينة أخرى.
فإذا كان ثمة من لزوم للتقدير أو ضرورة للتقييم، فليكن إذن على اعتبار أن الحادث لم يكن له-بالنظر لحتميته ضروريته من جهة، ومظاهره العنيفة المثيرة من جهة أخرى- إلا أن يثير في نفوسنا أسفا عاريا عن الغضب، واسى مجردا عن السخط، وإشفاقا خاليا من الثلب وعطفا منزها عن النقمة.
وتلك-على ما اربح- نتيجة التقدير المجرد، ومظهر الشعور السليم.
(1) (هو أهل لأن يغرك) ومثل هذه التعبيرات التشهيرية المنبثة في «أمير الأندلس».