تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 124

جولات قصيرة في تاريخ المغرب: البطل الشعبي محمد العياشي

الأستاذ: عبد القادر الصحراوي

هناك بعض الزعماء والأبطال، يكتب عيهم أن يوجدوا في ظروف غير مواتية، وغير مساعدة لهم على الإفادة أو الاستفادة من الصفات البطولية التي يتحلون بها.

ونحن لا نؤمن إيمانا أعمى بان التاريخ من صنع الأبطال فقطن ولكنا لا نؤمن أيضا إيمانا أعمى بأن التاريخ في تطوره، والإنسانية في تقدمها، يستطيعان أن يستغنيا استغناء كاملا عن الأبطال والقادة والعباقرة والمغامرين.

هناك دائما شيء اسمه (رجل الساعة) وهنالك دائما أيضا شرط أساسي لنجاح (رجل الساعة) ذلك أن تحيط به الظروف المواتية، وان يبرز ببطولته في الساعة التي تشتد فيها الحاجة إليه، وتتهيأ المشاعر والادهان للاستجابة له والالتفاف من حوله والإيمان بما يدعو إليه.

وكم من بطولة أو عبقرية أهدرت، لأنها كتب عليها أن تتقدم عن عصرها أو أن تتأخر عنه، وكم من بطولة أو عبقرية، أخرى، صادقت حظا قليلا من نجاح، وكانت خليفة أن تفعل الأفاعيل وتأتي بالمعجزات لو أنها تأخرت قليلا، عن الوقت الذي برزت فيه.

*

وبطلنا هذا الذي نريد أن تتحدث عنه البوم، بطل شعبي، لم تلده القصور، ولم يزين مفرقه تاج، ولم يكن في مركز من مراكز المسؤولية.

كان مجرد طالب، لا أكثر ولا اقل، وكان مريدا بحث عن طريقه على الله، وكان من الممكن جدا. بالنسبة للبداية التي بدا حياته، وبالنسبة للعصر الذي وجد فيه، أن تنتهي حياته (درويشا) أو (مجذوبا) تطلب عنده البركات، ويمسح بيده رؤوس المرضى، ويسال عن تأويل الأحلام والمنامات.

فقد كان العصر الذي أنجب (محمد العياشي) عصر (درويشة) (وجذب) بكل ما في الكلمة من معنى، كما كان عصر جهل وتخاذل وانحطاط واستكانة إلى الظلم والاحتلال والفوضى واللامبالاة، كان عصرا من هذه العصور التي ينام التاريخ، وتترك الأمور فيها لنفسها، لتسير وحدها كما تريد، وقد لا تسير أصلا ولكنها لا تجد من يهتم بها أو يفكر فيها أو يسال عنها، كان عصرا من هذه العصور التي يسودها التواكل والإهمال والتجرد من المسؤولية، من العصور التي يعيش فيها الناس لبطونهم، لا يفكرون فيما عداها، ولا يفكرون في ماهبة ما يملأ ون به هذه البطون، فقد يكون رشوة، وقد يكون أجرا عن خيانة، وقد يكون سرقة مفضوحة لا غبار عليها، ولكن المهم، فقط، أنه شيء يملأ البطن، ويحفظ الحياة.

*

كان ذلك في أواخر عهد الدولة السعدية، في النصف الأول من القرن السابع عشر.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٦٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٦٢٠