تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 122

ثم ما مفهوم أن يكون يوسف قد عرف عن «الجزيرة» كل هذا ثم لا يبادر إلى مزاولة تدخله في شؤونها إلا بعدما استدرجه إلى ذلك أمراء الطوائف، مستخدمين كل دقيق من وسائل الإغراء وجليل، فهل انه كان لا يدري بوجودها على الضفة الأخرى من بحر الزقاق قبل أن يعقل ذلك عن طريق الكتب التي أنفذت إليه غداة مؤتمري اشبيلية وقرطبة؟ هل يمكن أن يكون حديث المجالسين له عن «عظمة الجزيرة» من وحي هذه الكتب وبإثارة منها؟ ولكن ما علة هذا التردد الذي بدا عليه بعد ذلك بصورة ملحوظة، وكاد يصده عن الاستجابة لصرخة الغوث الأندلسية؟ أم أن ذلك كان أيضا من صميم الميكيافيلية التاشفينية ... تلك التي عرض لها «المراكشي» يقوله: أن يوسف كان يسر حسوا في ارتقاء ... ؟ قد يكون ذلك، وخاصة إذا كانت تسنده شواهد مفحمة من صنف تلك التي ساقها صاحب «المعجب».

على أن وهن الاستدلالات التي اعتمدها مثل ها الضرب من المؤرخين في إثبات الرداء الميكيافيلي الذي «تتشح به سياسة يوسف الأندلسية» لا تقف في هذا الموطن بالضبط، بل تعدوه إلى غيره من المواطن، حيث يسود التناقض السافر بين التأكيدات المتضادة، (فقد كانت-مثلا- قلوب الأندلسيين قد أشربت حب يوسف) كما تطوع بإثباته المؤرخ صاحب العقلية المعتمدية، حينما كانت جموع «أهل الجزيرة وأهواؤها مجتمعة، وقلوب أهلها على محبة المعتمد منتظمة ... » (1) وذلك فقط عندما شرعت القوات المرابطية في تحركاتها العسكرية التطهيرية.

أي منطق متين!

الواقع أن ملف اتهام يوسف، كما أعده المعتمديون من المؤرخين والكتاب والشعراء، يضم كثيرا من لطائف المفارقات والمتناقضات، مما لا يخلو من لذة ومتعة وطرافة، وشواهد «المعجب» من «أعجب» النماذج لذلك.

*

وعلى الرغم من كل هذا، فليس من المعقول أن تكون الحوافز المثالية الصرفة، هي التي حدث بيوسف إلى ممارسة عمله السياسي والعسكري في الأندلس عل حساب الطوائف. انه من الجائز على النقيض من ذلك، أن تكون عناصر نفسية متنوعة، قد أسهمت في تكوين المركب ألاتجاهي الذي قاد أمير المرابطين إلى اتخاذ بادرته الحاسمة، بل أنه من المستساغ أيضا أن يكون من بين هذه العناصر، ما يتصل بصعيد أفاعيل غرائز الأثرة وإرادة الاستيلاء، ولكن ملابسات الواقع وتطورات الأحداث مما يمكن استشفافه من بين فقرات هذا المبحث، لا تبرهن على أن هذه الغرائز أن لها تأثير جذري وأساسي في حبك جوانب القصة وتلوين اتجاهاتها وتصميم إخراجها، بل تدل على أنها-وان كان لها مفعول موجه، فإنه لم يكن لهذا المفعول من التأثير إلا بالقدر الذي لا يرقى إلى أن يكون الديناميت الفعالة المحركة، والاستدلال على ذلك قد يسوقنا إلى تكرار ليس له من مسوغ.

ونلتقي مرة أخرى بمترجم «اشباخ» فإذا ابن تاشفين، وقد «أسبغت قسوته نحو المعتمد ونحو باقي أمراء الأندلس على سيرته وعلى خلاله سحبا لم تمحها جميع الأعذار التي انتحلت لتبرير عمله .. » (2)

ونلتقي من جديد بأمير الشعراء، فإذا بعميد المغرب المرابطي وجيوشه «تمارس في زحفها على قصور المعتمد، أخس أساليب النهب والاستيلاء وأكثرها وضاعة» (3) وتحس في جو «أميرة الأندلس» وكان المؤلف يخال أن أمير المسلمين، هو الذي أوصى لبعض أفراد جنده بممارسة هذه الأعمال، مع أن مثل هذه المخالفات تصدر عادة في مثل تلك الظروف، عن أفراد أكثر الجيوش نظاما وأشدها تهذيبا، دون أن يكون لقادتها ضاع مباشر في ذلك بالنسبة لكثير من الأحيان (4).

ونلتقي ثانية بشاعر الأمراء، فإذا يوسف لا يزال دون المروءة بالدرجة التي لا يستطيع معها حتى بذل المعروف لمن فضل جماله الصحراوية على خنازير الروم

(1) المراكشي بواسطة الكيلاني (296 - 297).

(2) تعليقات عنان.

(3) الفصول الأخيرة من «أمير الأندلس».

(4) قد تم ارتكاب أخطر من هذه المخالفات في كثير من ظروف الحر العالمية الأخيرة نفسها.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٦١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٦١٨