دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 121
سوء ظروف الثورة، التي لم تفعل في الواقع إلا أن أعانت على تجهيم وجه الحياة باغمات على أسيرها المعاني.
وإن في هذه الظاهرة، ظاهرة الحنين على العودة «لدست الحكم» لمما يجلو حقيقة الدوافع المذهبية المثالية، التي كانت تحدو سيد اشبيلية إلى إبداء هذه المقاومة المستبسلة في منازلة جيش الغزو المرابطي، فهل كانت دوافع فردية أو ذاتية؟ أو «مبدئية» جماعية؟ ليس لنا أن نعرض لتحليل ذلك ولو ببعض التفصيل، وإنما نجترئ بالتعرض لهذه الأبيات الحماسية التي انتظمت له في المنفى، والتي تؤكد-مجددا- على أن البربر غداة انهيالهم على قصور اشبيلية، لم يجترحوا توقيف مجرى تيار تاريخي فاصل، ولم يقترفوا خطيئة الإعفاء على عامل قومي فعال، كان يمكن أن يكون له تأثير على الأحداث حاسم:
لما تماسكت الدموع
قالوا: الخضوع سياسة
وألذ من طعم الخضو
أن تستلب عني الدنى
فالقلب بين ضلوعه
لم استلب شرف الطبا
قد رمت يوم نزالهم
وبرزت ليس سوى القميـ
وبذلت نفسي كي تسيـ
أجلى تأخر لم يكن
ما سرت قط إلى القتا
شيم الالى أنا منهم
وتنهنه القلب الصديع
فليبد منك لهم خضوع
ع على فمي السم النقيع
«ملكي» وتسلمني الجموع
لم تسلم القلب الضلوع
ع ايسلب الشرف الرفيع؟
ألا تحصنني الدروع
ـص عن الحشا شيء دفوع
ـل إذا يسيل بها النجيع
بهواي ذلي والخشوع
ل وكان من أملي الرجوع
والأصل تتبعه الفروع
هي إذن أنغام الفخر الذاتي، والتسامي الشخصي الرخيص أحيانا، مما يندرج في أساليب فخر الطغرائي والشريف الرضي سواء بسواء، ولم تكن الأندلس العربية وهي في دوامة الأحداث المروعة التي كانت تكاد أن تعصف بكيانها المتميز، بالمفتقرة إلى مثل هذه العقلية الذاتية الفردية بالرغم عن تقديرنا لخصائص صاحبها البطولية.
*
ويطالعنا بعد ذلك مثل هذا التساؤل: هل كانت تخامر حمية يوسف الدينية ... تلك التي أهابت به إلى ميدان الصراع في الزلاقة، نوازع استيلائية أو اكتساحية؟ قد يكون ذلك جائزا من الوجهة المبدئية، ولكن الظروف التي تم فيها التدخل، وملابسات الانقلاب السياسي الذي أعقبه، من قوة هذا الاحتمال.
وليس من الحتمي تحليل هذه الظروف والملابسات بالنظر إلى أنها قد شرحت شرحا تفصيليا في ثنايا هذا المبحث، إلا أن الذي يستوقف الفكر في هذا الموطن بالذات، هو تضارب الأقوال وتباينها، وتناقض الروايات وتضادها، في إثبات هذه القضية أو نفيها. فبينما كان أمر الجزيرة «عظيما» عند يوسف قبل أن يراها «فلما رآها وقعت لديه دون الوصف ... » نجد أنه «كان يظن أنه قد «ملك» شيئا فلما رأى تلك البلاد صغرت في عينه مملكته ... » (1) فكيف يجوز التوفيق بين هذه الافانين الغربية من التناقض الشامل؟ يعلل «المراكشي» ذلك بأنه كان ناشئا عن دهاء يوسف وتلونه السياسي، إلا انه لم يشأ أن يجشم نفسه عناء التدليل على ذلك، ويجتزئ كدأب كثير من رواة الأخبار القدماء، بنقل النصوص دون تحليلها، ومقابلتها ببعضها، وإمعان النظر في كل ذلك، مع العناية باستخلاص الحقائق وتمحيص النتائج المنبثقة عن دراستها.
(1) المراكشي بواسطة كيلاني (296).