تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 117

والإشعاع الفكري الإسلامي، في مناطق شمال غربي المتوسط وما وراءه، لم يكن ثمة ما يفسرهما على أن يبقيا رهن إدارة أو قيد مصالح أصحاب الشامخات الشاهقات من قصور أشبيلية أو قرطبة، لأنه لم يكن هناك تلازم عقلي أو واقعي بين الضرورة التي كانت تخلقها إرادة الحفاظ على سلامة ذلك المصير، وبين طبيعة الجو العام الذي كانت تكيف جوانبه وتحدد شكله روح من العمل على استمرار تلك المصالح واطراد وجودها.

على أن المستوطنين المسلمين بالأندلس، كان من الجائز بضرورة ما لهم من وجود فعلي واحتكاك مباشر مع القوات الخصيمة، أن يكونوا بالمفترض فيسهم من تماسك وقوة واستعداد، الدرع الواقي والصرح الشامخ الذي من شأنه أن يدرا عن مجالات فتوحات طارق وابن نصير ما كان يتهددها من مخاطر، وما كان يتوكفها من اسواء ومصائر، ولم يكن ثمة فيما لو كانوا على هذا القدر من شموخ الروح المعنوية ونبالة الإحساس الديني والجنسي المشترك، موطن لتحقيق أي لون من التدخل في مصون «عرائتهم»، ومحاولة التأثير على توجيه مجرى الأمور في مواطئ عزهم ومراتع مجدهم وحمى ذمارهم. كان الدفاع حينذاك عن البلاد لا يعدو أن يكون فرضا كفائيا، يسقطه القائمون به عن القاعدين عنه، ولم يكن ثمة بضرورة المقتضيات المنطقية والحالية ما يهيب بأمير المغرب المرابطي إلى ممارسة العمل على تعديل نوعية نظام حكم الأندلس، إلا أن يكون واقعا تحت تأثير الرغبة في استخلاص «المكاسب» «والمنافع» ولكن الوضع كان على قسط من المناقضة لذلك، مما جعل من الحتمي تدخل يوسف أو غير يوسف ممن كان يمكن أن يهيئهم القدر لانتقاد الموقف الذي كان قيد الانهيار.

فابن تاشفين إذن لم يفعل إلا أن أنجز واجبا حتمته العقيدة، واستوجبته القرابة، وارتضاه الضمير، وباركته العناية، وإلا ففيم كانت هذه الجحافل التي اقتادها إلى ميادين العراك في الزلاقة؟ فيم كانت كل هذه التضحيات التي بذلها عن طواعية، وتحمل تبعاتها بكل اقتدار؟ أكان القصد مجرد غارة عابرة ليكون الهدف الأبعد الكبير-بعد ذلك- إتاحة الجو المطمئن المأمون «للطوائفيين»، حتى يكون في ميسورهم آنئذ استمراء ما كان يتوافر لديهم من طيبات الحياة واشراقة النفوذ ولمعان السلطان وبسطة الحول، ولو كان السبيل لذل التآمر على تراث الماضي ومقدسات الحاضر عن طريق الارتباطات المريبة مع الخصم المشترك. أن يوسف كان على الأرجح أكثر فهما للشعور العربي، وأعمق إدراكا للواجب الديني، من أن يتوقف-بالنسبة للمأساة التي كانت نذرها الرهيبة تخيم على جو الأندلس العربية عند هذه السطحيات غير المستساغة.

*

وتأتي بعد ذلك قصة أسر المعتمد، وقد أفاض فيها الكتاب والشعراء القول، كل على طريقته الخاصة، وبالأسلوب الفكري والتعبيري الذي ينبثق عن طبيعية تأثراته النفسانية، واختلاجاته الوجدانية، وجوه العقلي، وعديد منهم من ذوي الحساسية المرهفة جدا، لم يتورعوا-منفعلين بظروف الحادث وملابساته- عن الإيغال في النيل من أمير المغرب المرابطي إلى حد الإقذاع المسف أحيانا، وكان النصيب الأوفر من الطاقة الشعورية الزائدة التي تتوافر لهذا الصنف من المقذعين، والتي ربت موجباتها أمام ظروف حادث المعتمد-عاملا قويا حفز الباحثين منهم على الانسياق وراء أفانين من «التحقيق العلمي» لم يعد فيه للذاتية أو الموضوعية من مفهوم أو موجب تمييز، أما أصحاب القريض-من المتأثرين بالعقلية المعتمدية الشوقية- فكان لهم باعث على الوقوع تحت سلطان كثير من «الشبطحات» الشعرية، المتدنية أحيانا إلى حضيض الإسفاف البالغ الزراية.

على أن هذا الأسر إذا وضعناه في حدوده المعقولة، فإنه لا يسوغ لنا أن نتناوله على أن يكون حادثة خاصة يمكن اعتبارها وتقديرها بصورتها الانفرادية المستقلة؛ أنه جانب فقط من جوانب كثيرة لقضية معقدة ومتشعبة: تلك هي وضع الأندلس السياسي بعد تفكك الحكم الأموي القار، بل أنه نتيجة منطقية لما يمكن أن يكون هناك من بوادر تعديل وضع كان في أساسيته شذوذا ناشئا عن الانحلال الأموي في أواخر القرن الحادي عشر م. لقد كان على النظام الطوائفي أن بجانبه في أي وقت مصيره الحتمي، لأنه كان بشذوذه وعدم طبيعيته، لا يتوفر على ما يمكن أن يتركز عليه من قاعدة شعبية يعتمدها، أو مثالية ولو متواضعة يستند إليها؛ ولهذا فقد كان يحمل في تضاعيفه عناصر فتائه وانمحاقه، ولم يكن يوسف إلا عامل هذا الفناء، والوسيلة التي أمكنه أن يخرج بها من حيز القوة إلى الفعل. وقد كان من الجائز أن يكون العامل غيره، أما نهاية القصة فلو يكن لها إلا أن تكون في كلتا الحالتين متجانسة ومتشابهة.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٦١٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٦١٣