تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 116

وقد كان نصيب يوسف من النقد، أكثر بكثير مما صادفه عمله من مصادقة أو تحبيذ. والواقع أن هذه العاطفة التي تثيرها على ذكرى يوسف حادثة المعتمد، لم تكن كما سلف أن رأينا-في كثير من جوانبها- إلا مفتعلة مصطنعة، ثم أصبحت-بعد ذلك- تحت تأثير قوة الاستمرار، تقليدية وتلقائية وذات بواعث لا واعية. فمن الجلي أن الاتصالات الأندلسية المغربية الأولى، لم تكن من صنيع يوسف، ولم يكن هناك ما يوحي بأنه كان يمهد لها أو يصطنع أسبابها وموجباتها، فهو لم يقدم-في واقع الأمر- على مزاولة تداخله في الأندلس، إلا استجابة للضغط المعنوي الذي مارسه عليه سكانها المسلمون حيث استدروا عواطفه باستقامتهم، وحملوه على ركوب كل صعب وذلول لإنجادهم ودرء الملمات عنهم. على أنه ولو لم يكن هناك ما يبرز تدخله من استغاثة أو استصراخ، فقد كان من الحتمي بالنسبة إلى المغرب والأندلس، أن يتم هذا التدخل أيا كانت وسائله أو أساليبه أو ذيوله، فالعدوتان كانتا منذ أحقاب متباعدة، تكونان وحدة سياسية وإدارية متكاملة، وتؤول جذور هذا الترابط الأولى-فيما يتصل بالعصر الإسلامي- على أن المغرب كان منفذ العرب إلى شبه الجزيرة، يوم تم لهم اكتساحها بجموع أكثر وحداتها من أهل هذه البلاد. هذا علاوة على أن المفاهيم الدولية التي كانت تضبط نوع الارتباطات الأممية، لم تكن بالضرورة أو بالفعل مشاكلة لما عليه صورها اليوم، ولما تتجسد فيه هذه الصورة من كيانات قومية متميزة، ورفع سيادات وطنية حيوية، ومجالات حفاظ على ذاتيات إقليمية متباينة.

وعلى أي، فقد كان من الضروري غداة أن ولت فلول المسيحيين مدبرة على الأعقاب في الزلاقة، أن توضع مشكلة الأندلس السياسية على الطاولة، فالانتصارات السياسية- وان كانت ساحقة صاعقة- لا يجوز مطلقا أن تفضي إلى إقرار أوضاع سليمة وثابتة، ما لم تتلها-أن لم تكن على نحو متواقت (1) فعلى الأقل على الأساس من التعاقب-تدبيرات سياسية رشيدة، وتنظيمات إدارية قويمة ومحكمة، غذ من شأن ذلك أن يساعد على استمرار النتائج التي تتجلى عنها المعارك الظافرة الفاصلة، فالانسجام في التحركات، والدقة في التكتيك، والتناسق في الاتجاه، والتجانس في المظهر، هي من أوليات العلل في سحب معركة ما، وكذلك الشأن في السياسة والحكم. فحتمية لازمة إذن، أن يكون هناك موع من الاستمرار والاطراد في الروح التي يجب أن تسود جو المعركة الناجحة، وتضبط سير الأمور في الوضع الذي قد ينبثق عن هذه المعركة، وهذا ما نفتقده نحن-كما فعله من قبل «أمير المسلمين» على صعيد أندلس ما بعد الزلاقة- فلا نحس له أثرا، ولا نكاد نسمع له ركزا.

فالجو السياسي الأندلسي كان يضبطه عاملان أساسيان: عامل الروح القومية الايبرية والمشاعر المسيحية المضطربة من جانب، وعامل الشعور بمشروعية امتداد «الحضور العربي» والملة الحنيفية في تلك المنطقة القصوى من غربي أوروبا من جانب لآخر، فالأمر إذن كان مسألة وجود أو عدم بالنسبة إلى الكيان الذي كان يشكله وجود المستوطنين المسلمين في شبه الجزيرة، وهذا الكيان لم يكن له لينعم بالتماسك والثبات طويلا أمام العناصر المضادة، لسبب بسيط هو أنه كان لا يتوفر على أسباب هذا التماسك والثبات، وشاهد ذلك ما كان يحدثه وجود الأنظمة الطائفية من ثغرات وصدوع بين صفوف كان المفروض لها أن تكون في تلك الظروف الدقيقة وهي أشد ما يمكن عليه من الالتحام والتكافل والتراص، وإذا اكتنهنا-من جهة أخرى- حقيقة الروح القومية الواسعة المفهوم، تلك التي كانت تسود الأذهان عصرئذ ممتزجة بملابساتها العقائدية والدينية، وبكل ما كان لذلك من تشابك مع المدركات السياسية ومعطيات العلاقات الأممية، أدركنا حقيقة الحوافز التي حدت بابن تاشفين-في اتصاله الثاني بالأندلس- إلى إعادة الكرة القطر، واستباحة التدخل المباشر في نظامه السياسي-الحكمي، وتعديله على ذلك النحو المسرحي المثير.

فالأندلس لم تكن-في جوهر الأمر- أو على الأقل- كما كان المفهوم السائد عندئذ، أو كما يتعين أن يكون- ملكا خاصا لعناصر ربيعة أو مضر، ممن اتخذوها وطنا جديدا أو مؤئلا ثابتا، إنها كانت في واقعية المدركات السياسية، التي ليس هناك ما يستلبها لحد الآن قيمتها الاستدلالية الاحتجاجية- موطئ قدم للعرب في غربي أوروبا، منطقة ارتكاز لإشعاع إسلامي محتمل، ومنطلق تسرب «حضاري» شرقي لأقاليم ما وراء «البيريني» وشواطئ المتوسط الشمالية الغربية. فأمر الأندلس إذن لم يكن أمر معتمد أو مستعين أو معتضد، ومصير الوجود العربي

(1) ما يقابل اللفظ الفرنسي Simultané

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٦١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٦١٢