دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 118
وتبدو إلينا الغربة عندما نلحظ ما تفرد به صاحب اشبيلية من عطف الرأي الخاص عليه، في الوقت الذي لاقى فيه كثير من «زملائه» في الطائفية، مصيرا كان في بعض الأحيان أقسى ظروفا واشد هولا. ولا تعنينا هذه الملاحظة كثيرا، فقد كان يمكن أن يكون لشاعريته كما ألمعنا إليه في صدر هذا المبحث، لا ضاع هام أو تافه في ذلك، إلا أن الذي يعتصر منا الاغتراب اعتصارا، هو هذا الاندهاش الذي بدا على الكثيرين، من إقدام الأمير المرابطي على «انتزاع النسر من معقله» واباعه غياهب أغمات الرطبة، على حد تعبير صاحب «أميرة الأندلس». فهل كان على يوسف أن يترك ذلك الصقع الأوروبي المتعرب لمصيره القاتم لكيلا يضطرب سكون ابن عباد، وتظلم-إلى حد ما - آفاقه الشخصية المتلألئة .. ؟ أكان على تلك العقلية اللمتونية الجادة البناءة أن تتلبث أكثر مما فعلت أمام العوامل السياسية والعسكرية الكاسحة ... تلك التي كان من شأنها أن تستعجل هذا المصير، وتؤذن بظهور إرهاصاته وإماراته؟ أم هل كان عليها أن «تترصن» أكثر، فتستبقى لدولة القريض (عميدها) وراعيها وناشر «الو بتها» ولو كان ذلك على حساب الكيان القومي الموحد الذي كان على الأقاليم الإسلامية الأندلسية أن تنتظم فيه أمام غارات «الادفونش» الرهيبة؟.
ثم لماذا أودعه السجين؟ وهل من الجائر أن يتوقع أدنى من ذلك من حشد الحشرد وشرع الأسنة وشهر البيض الصفاح، في وجه جيش محرر، ثم سقط أخيرا في قبضة ذلك الجيش ووقع رهن اعتقاله؟ انه ليس من المفهوم مطلقا أن نترجى للمعتمد بعد أن تأزم الموقف بينه وبين «جيش الإنقاذ» إلى حد اللجوء لاستصراخ العدو المشترك، مصيرا أجمل أو نهاية أفضل.
ماذا كان يمكن أن يكون عليه الأمر لو كان المعتمد في موقف مماثل لموقف «أمير المسلمين»؟ أتراه كان يمكن أن يكون أكثر إحساسا بدقيق المعاني الإنسانية، وأعمق شعورا بأرق المفاهيم الأخلاقية؟ أن النهاية القاتمة التي كان لاقاها ابن عمار، والنكال الذي أصابه به ابن عباد، ذي القلب الرقيق والإحساس الدقيق، تجدينا في الإجابة عن ذلك، وليس من مرامي إثارة الأعاصير على اسم المعتمد لتصرفه القاسي مع «صديق أمه» ابن عمار، فقد كان من الجائز أن يكون صفي المعتمد السابق جديرا بذلك المصير المؤلم، ولكن الذي استهدفه من هذه الإثارة العابرة، هو تقدير ما عسى أن نستنتجه من الموازنة بين موقفين-مع وجود الفوارق طبعا- لنتبين من ذلك انه لم يكن هناك في تصرف ابن تاشفين، ما من شأنه أن يستثير كل هذا الاندهاش والاشمئزاز والاستهجان.
قد يجوز أن يكون ثمة فارق كبير بين مفهوم الغدر المتمثل في انقلاب ابن عمار، وبين موقف الدفاع عن النفس المشروع ذلك الذي اتخذه صاحب اشبيلية، ولكن على أية أسس اتجاهية أو إيديولوجية كان هذا الدفاع؟ على ماذا يستند غليه من مقومات معنوية أو مثالية رفيعة، أو جوانب مصلحية عليا؟ بل أية صبغة سياسية مقبولة يكتسبها، وأي رداء عقائدي أن لم يكن رداء الميكيافلية يتشح به؟ إنه لم يكن في جوهر الأمر إلا استماتة في سبيل التمسك بامتيازات فردية، ما كان لقضية الأندلس الكبرى فيها من كبير غناء، ولم يكن لها بها متين صلة أو شديد ارتباط، هذا ما يمكن أن نعتبره بالنسبة لموقف ابن عمار، الذي لم يكن منطلقا إلا من نقطة مماثلة. فمظهر الصراع الأول لم يكن إلا تعبيرا عن شديد اضطرام روح الأثرة والاستئثار داخل النظام الطوائف، أما مظهر الصراع الثاني فقد كان وليد انفجار هذا النظام تحت تأثير العوامل التي من شانها أن تعفي عليه بالنظر إلى تطور الأجواء حوله، وتقدم ركب الأيام عليه.
فقد كان التفجر إذن نتيجة كيميائية سياسية، تفاعلت بموجبها العناصر الأولى للوضع المختلف، مع مادة الجو الجديد الذي خلقه تدخل المرابطين، فكان التضاد بين العناصر سبيلا إلى حدوث التصدع، ولم يمس بالطبع إلا الجزئيات الأكثر ضعفا والأقل تماسكا والأشد تسمما ونخرا ...
أنه من الضروري لكي نتفهم هذا أن نتذكر باستمرار-وهذا ما لا أجد ضيرا في تكريره- أن مصير الأندلس العربية ... ذلك المصير الذي لم يكن له أن يكون مشرقا ناصعا في ضلال أنظمة مهلهلة من مثل تلك التي كان يمثلها ابن عباد-لم يكن هناك ما يقتضي جعله قيد وجود نظام خاص أو شخص يعينه أو وضع بذاته. أنه كان مصير الإسلام الذي تعد الممانعة عن حوزته، فرضا عينيا على كل من كان كفؤا قديرا، وقد كان ابن تاشفين الكفؤ القدير.
على أن أصحاب العقلية المعتمدية، قد يستمسكون في نهاية المطاف بالجانب الأخلاقي والعاطفي من القصة، منطلقين من ذلك إلى التدليل بحماس ملحوظ أحيانا على تجمد شعور الأمير المرابطي وتحجر عاطفته، وقسوة سلوكه إزاء الملك الذي أخنى عليه من أخنى على لبد ...