دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 115
المصير في الغالب: القتل البسيط أو المعقد، ولم تكن نهاية ابن عباد-لحسن قدره- على هذا النحو الذي لم يكن هناك ما لا يجعله مرتقبا ومتوقعا، فقد لأبقى عليه «أمير المسلمين» ناقلا إياه إلى العدوة الإفريقية من المتوسط، وهناك في أغمات، عاش كما يعيش الأسرى ومعتقلو الحرب، وامتدت به الوقت في القيود، فكان ذلك سبيلا لاخصام يوسف من أنصار الأنظمة الطائفية، نفذوا منه إلى الائثار لنفوذهم الدابر، عن طريق استغلال حالة المعتمد، وإبراز ما فيها من نواح إنسانية وعاطفية، وتجسيم كل ذلك في شكل صارخ ومنير.
لقد كان من المعقول أن يلجأ أنصار الأنظمة الآقلة إلى مثل هذه الأساليب، في مناهضة الموجة المرابطية الكاسحة، تلك التي اجترفت في مجراها مصالحهم وظلالهم اجترافا، فكانوا وهم يندبون حظ المعتمد، ويستبكون عليه متحجر العيون، إنما يستهدفون من ذلك مرامي سياسية أبعد، قوامها إثارة حرب سيكولوجية «إنسانية» على الخصيم المشترك. ولم يكن من الممكن-بعد ذلك- وقد تطاولت الأيام على الحادث، إلا أن يأخذ هذا الشكل الذي أصبح يجعل منه قضية إنسانية عاطفية، من شأنها بالطبع أن تثير «حالات» اتخاذ مواقف مضادة من جانب كثير من المؤرخين، وتسبل عبرات الشعراء من مثل «شاعر البلاط الخديوي» له المغفرة.
ثم إننا إذا سايرنا أيضا الجانب السياسي للقضية، فإننا قد نجد-وهذه محض افتراضات ولكن ليس هناك ما من شأنه أن يؤكد أنها صرف خيال - للانقلاب الحكومي في المغرب، ذلك الذي أفضى إلى قيام النظام الموحدي، بعض التأثير في الأمر، فقد دأب الموحدون منذ تسلموا قياد الحكم على النيل من أخصامهم اللمتونيين، عن طريق العمل على شجب نهجهم الديني، وانتقاد سلوكهم السياسي، واستهجان مفاهيمهم الأخلاقية؛ وليس ثمة ما له قوة الحمل على استبعاد أن يلجأ «المهديون» في حملاتهم المضادة لأسلافهم من اللمتونيين، إلى تجسيم خشونة طبع عميدهم المبرز، وإبراز مظاهر «غلط قلبه» وضعف شعوره الإنساني.
ومهما كانت العلل والمؤثرات، فقد كان لحادثة يوسف-المعتمد أصداء بعيدة الأثر في كتابات المؤرخين ووجدانات الشعراء، وتفكير الأدباء، على توالي الأحقاب