تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 114

أعمق التأثير في استنفاذ المجد وصون معالمه لأحقاب متطاولة، ويستعر تقريعا للذي حمى ذمار هذا العر وذاد عن حياضه، واستبقى له قوة الاستمرار لمدى عهود بعدة. واشد من ذلك ايفا لا في المفارقة والإغراب، إلا يتورع أمير الشعراء عن إنطاق «أبطال» روايته «المثالية» بكل هجن من التعبير ومقذع من التعبير، في شخص صانع أمجاد الزلاقة، بل يعدو ذلك إلى القدر الذي يحيط فيه جو الحديث عن «المغاربة» بإطار من الزراية الرخيصة والمس الصارخ، وكل ذلك لأن قاهر، «الادفنش السادس» أقدم على بادرة لم يكن له محيص عن القيام بها في سبيل الإبقاء على مفاعيل الوضع السياسي، الذي خلقته حملات طارق وابن نصير في منطقة شمال المتوسط الغربي.

فكيف يمكن تعليل هذا الاتجاه الذي اتخذته مدلولات «حادثة» المعتمد في أذهان رجال التفكير والقلم قديما وحديثا؟ أرجح الظن أن ذلك يؤول في بعض الجوانب الهامة إلى ذاتية المتعمد نفسه و «فيوضه» الوجدانية والخلقية، فقد كان صاحب اشبيلية-إلى مكانته السياسية- كعلم طوائفي بارز- شاعرا مرهف الإحساس، عميق الشعور، أنيق اللفظ جميل السبك، حسن الديباجة والصباغة، على جانب لا بأس به من رحابة الأفق، وسعة الخيال، وقوة التأثير وكان-إلى ذلك- شديد الكلف بمحاضرة الأدباء، كثير الحدب عليهم، شديد التقدير للعمل الأدبي الجيد، بالغ العطف على من يخلق هذا العمل ويبدعه. فقد استمكن إذن-قبل أن يصارم الأندلس- أن يعد لذكرياته وصورته الشخصية والاجتماعية، أجواء موائمة في محافل الشعراء والمتشاعرين، والأدباء والمتأدبين، والظرفاء والمتطرفين، واستطاع بذلك-بعد أن أضل نجمه السياسي- أن ينطقهم- بصورة تلقائية- بكل ذي تأثير من القول ومستفز للشعور من الحديث، بل أنه هو عينه كان أكثر من لسان ذلق، ذرب، ومرن على التعبير عن «مأساته» وتصوير جوانب «محنته»، مجتهدا في إطاحة كل ذلك بجو «دراماتيكي» عنيف. وقد بلغ من ذلك إلى القدر الذي يستجيش أكثر العواطف كمونا، ويستزل أشد العبرات استعصاء. وقد كان مستهدفه من ذلك هو-علاوة على معالجة الغمة بالتفريج عنها ومغالبة الكربة بإزاحة غيومها- ألمس على نحو غير مباشر يذكر آسره، واستعداء الرأي العام على هذا الخصم «القاسي»، حتى يكون له من ذلك سبيل إلى الآثار لعرشه، والانتقام لمسلوب عزه وفقيد مجده. ومع أنه لم يقتدر على إصابة المرمى إلا بعد (إمكانية العودة إلى الأندلس)، فغنه على الأقل استطاع إلى حد بعيد أن يبلغ من هدفه الثاني الشيء الكثير. وتهيأ الجو المعد من قبل، فأضفيت عرائس التقدير وآيات الثناء على ذكر «أسير أغمات» فيما انتصب القوارص المقذعات الجارحات على هامة آسره، على الحد الذي يمكن من الاعتقاد بأن قد كان هناك تضافر في الجهود على الإطاحة بسمعته في الجحيم. واستشرت العدوى على تطاول الحقب، وتلقف مظاهرها كل من أمكنه أن يعرف شيئا من المعتمد وابن تاشفين، وكانت الصورة دوما هي تلك التي رسمها المعجبون بأدب «الشهيد» ومآتيه، واستطال الزمن على الصورة، فما زادها إلا ترسيخا في النفوس، وتركيزا في القلوب، وهل كان لأمير الشعراء أن يشد عن القاعدة، بعد أن شملت حتميتها غير الطبيعية عقولا موضوعية التفكير، منهجية التقدير، عملية التصور والإدراك؛ وهل كنا لنسفح الدمع السخي على صخر لولا الخنساء؟ وهل كانت قلوبنا تهتز لذكرى فقيد ابن الرومي الصغير، لولا مراثي أبيه البليغة المؤثرة؟ وهل كان لنا أن نفيض عطفا ونرق إشفاقا على قرينة «ابن الزيات» لولا قصيدة زوجها المشجية المؤسية؟

أنه من الجائز إلا يكون شقيق «تماضر»، أو وليد ابن الرومي، أو عقلية ابن الزيات، جديرين بكل هذه المشاعر، التي تخلقها في وجداناتنا ما قيل فيهم من مراث مؤثرة، ولكنها رقة الشعر، التي إذا لابست حقائق التاريخ، فإن النتيجة الحتمية لذلك، تكون في الغالب من نوع ما لحظناه في قصة يوسف والمتعمد.

على أن هناك ظروفا أخرى أسهمت هي الأخرى في اصطناع أسباب هذه المؤامرة التاريخية على شخصية ابن تاشفين، وهي فيس هذه الكرة ذات طابع سياسي صرف، ذلك أن يوسف قد اصطدم عندما اتخذ بادرته الحازمة، بأنظمة لم يكن هناك ما يميزها عن بعضها، إلا ما يتصل بالمظاهر السطحية، الناشئة عن الروح الإقليمية والطائفية، أما من حيث اللون والاتجاه، فقد كانت كلها-وسائل وأهدافا- تتركز في بؤرة واحدة: أهواء الأمراء وذوي النفوذ، من بني عباس، وبني هود، وبني الأفطس، وغيرهم من إعلام النظام الطوائفي. وقد اقتدرت القوات المرابطية على الإطاحة بهذه الأنظمة المهلهلة، عن طريق الفتح القاهر وقد كان مصير أولئك الملوك، مصير كل محارب في العصور الوسيطة، عندما تتم عليه الهزيمة، ويقع قيد إرادة خصيمه. لقد كان

(1) راجع الفصل من (أميرة الأندلس)

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٦١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٦١٠