دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 113
«المعتمدية» «الوسني» يوم أن أقدم على عمله الحاسم، ويوم أن عاد ودين الإسلام يرفل في مطارف العز والمكارم، ثم يوم أن ودع للناس دنياهم ملتحقا بأخراه وناعما بجوار ربه، ثم يوم أن تقادم على كل ذلك العهد، واستطال به الوقت، وامتد به الزمان إلى عصر «أحمد» أمير الشعراء وشاعر الأمراء، عليه الرحمة وله المغفرة.
ليس هناك في جوهر الأمر تضارب كبير في رواية الواقع عما تم حدوثه فعلا، فقد كان ثمة-في جلية الحال- «معتمد» وطوائف، وقد أقدم الأمير اللمتوني-ولا ارتياب- على إنهاء أثر الجميع، من حيث أنهم حاكمون ذوو أمر وسلطان، ثم بادر فالحق الولايات الأندلسية- بعد ذلك- بالمغرب، على الأقل من الوجهة الإدارية والسياسية، فالقصة إذن لها جذور متصلة في الواقعية، ليس إلى الإغضاء عنها من سبيل، وليس هناك من مدلول منطقي لهذا الأعضاء، لأنه ليس له من داع أو موجب، إلا أن أصحاب العقلية المعتمدية ومن تحت تأثيرهم من قريب أو بعيد، لم يكن لهم في مجال الواقع غناء كبير، فإذا هم وقد لجوا في شنها حملات تقريع صارخ وقلب مرير، لصاحب حملة الزلاقة، تجاوبت أصداؤها من عهود الأسر في أغمات مواكبة سير التاريخ الأدبي إلى عهد مؤلف «أمير الأندلس» حيث أضحينا نعقل أن الأمر بين المغرب والعدوة لم يكن-في أهم نواحيه- أمر سياسة أو دولة، أو شان حكم وولاية، أو مناط اتجاه وعقيدة، وغنما كان-في بعض الجوانب على الأخص- أمر زواج ونساء، وحب وغرام، وتيار في الفوز بأمير الأحلام، (قصة بثينة وسير بن أبي بكر) (1) وقبل ذلك بأحقاب متطاولة، عزوا أصول القصة إلى رغبة جامحة من جانب يوسف، في الاستنثار بما كانت تتوفر عليه أراضي ما وراء الزقاق من خير وافر، ونعيم مقيم، بينما اتجه الآخرون على اعتماد تعليلات «حضارية» قوامها ما كان بين العدوتين من تفاوت في التقدم والتطور، وقد ذهب إلى غير ذلك الكثيرون، وكان الهدف في الغالب هو يوسف، يصيبونه بسهام النقد المرير، ثم لا يتورع بعضهم عن النيل منه على حد اللجوء لأرخص أساليب التعبير والتشهير.
*
هذه في الواقع ظاهرة تاريخية غريبة، ومن الغرابة بالمكان إلا بعد، فلم يسلف-إلا في النادر نسبيا- أن تعرض أمير مثل الأمير اللمنوني، إلى مثل هذه الحملة المنظمة المنسقة، لما أتى به من عمل سياسي يعتبر في الواقع عاديا، لا من وجهة النظر السياسية أو المنطقية، بل يمكن مع غض النظر عن بعض الاعتبارات الثانوية، أن يسوغ حتى من الناحية الأخلاقية والعاطفية، ولم يسبق أيضا في كثير من الحالات أن نعم أمير مخلوع، أو ربيب نعمة مولية، بكل هذا العطف إلى حد التدليل في حياته أو بعدها، مثل ما كان عليه الأمر ولا يزال بالنسبة لصاحب اشبيلية. واخص وجوه الغرابة-باعتبار بحثنا المحدود- أن ينطلق لسان ما فتئ- في الغالب- يستبكي المآقي ويقرح الجفون، على مجد الأندلس العربية الدابر، وعزها الغابر، ليعود كرة أخرى فيفيض تنديدا بالذي كان له
(1) لقد تقصدنا هذا الضرب من السجع المتعمد، لان جو شوقي وكثير من إضرابه ممن شجبوا عمل يوسف يغري به ويحمل عليه.