تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 98

وأصبح المصامدة يتبركون به ويستسقون به إذا أصابهم قحط ... فهل سيعجز وهو صاحب هذه المكانة عن تحقيق المعجزة، وان يبلي هذا الرغبة التي كانت واضحة في وجه يحي المتلهف على النجاح في مسعاه، ورغم أن (وكأك) كان يعلم أنى المهمة لا يقلها إلا زعيم من طراز خاص. فإن بصيرته كانت تستشف المستقبل، وتعلم أن من تلامذته من سيحمل هذه المهمة يصدر رحب، ويرضى بها في إيمان وثقة. وقد كان كذلك حين تقدم احد الطلبة الحذاق النبهاء، وقبل الذهاب بدون تردد، ولم يكن هذا الشخص سوى (عبد الله بن ياسين) الذي وصفه ابن ابي زرع بأنه من أهل الفضل والدين وألقى والورع، والفقه والأدب والسياسة، ومشاركا في العلوم ... وليس من شك في أن هذه صفات تؤهل صاحبها لخوض معارك قاسية، وتضمن له النجاح في عمله أن عرف كيف يستغلها الاستغلال المناسب. وهكذا هيئت الأقدار هذه المشاهد المتتالية، لنرى في الختام، هذا المرشد الذي كانت تنتظره الأجيال، يخرج دولة من العدم ويؤسس مملكة اتسعت دائرة حكمها، فشملت المغربين الأقصى والأوسط، والأندلس، وحطمت تيجان ملوك الطوائف.

ابن ياسين يدخل الصحراء

دخل الطالب الصغير إلى هذه البلاد الواسعة دخول المطمئن الواثق بنفسه، ولم يكن يعبا بشيء أو يتخوف من فشل. وإنما كان يعينه أن يتعرف موطن الإحساس في نفوس رعاياه الجدد، فهو بمثابة الطبيب الحاذق لا تلهيه المظاهر البراقة ولا المشاهد المألوفة عن تلمس موضع الداء، ليضع الدواء في مراكزه ... ولذلك فغن الاحتفالات والترحيب الذي قوبل به لم يكن ليقعده عن مهامه، أو يلهبه عن مأموريته التي نصب نفسه للقيام بها.

وتصدى للتبشير من أول وهلة، بعد أن ظهر له أن الخطر كامن في كل وجهة. فالعوائد الضالة قد تحكمت فيهم تحكما مدهشا. والتقاليد سيطرت على نفوسهم سيطرة لا تقتلع جذورها بسهولة، فالرجل قد يتزوج من النساء ما يزيد عن الحد الشرعي ويفخر بذلك في يسر وسهولة. والمنكرات قد فشت في الأسواق والمجتمعات وكأنها حالة طبيعية. وليس من السهل عليك أن تخاطب رجلا في شهواته، أو تحد من غلوائه حين تكون المرأة ملك يمينه ... ولكنه لم بات ليشاهد هذا الأعمال المنكرة ويسكت، فليرفع الصوت بالنكير، ولكنه كان ينفخ في رماد، ويصبح في واد. أيستمع إليه من غلب عليه الجهل وتحكمت فيه التقاليد؟ أيجيبه من لا يعرف من الإسلام إلا الشهادة ولا يدري من شرائعه شيئا حتى يرق قلبه ويخشع فؤاده، إذا هو ذكره بأمر الله ونبهه إلى قواعد دينه؟ لذلك رأينا الطالب العنيد يضرب أخماسا في أسداس، ناسفا على هذا الشعب الشجاع الذي ترك لهذا المصير، ولكنه لم ييأس ولم يتطرق الوهن إلى قلبه وشعوره. فكم من الحالات المستعصية يمكن علاجها ويسهل تلافي مضاعفاتها إذا عرف السبيل إلى ذلك.

وبدا يجرب خطة ... خطة أبانت عن فهم سديد ومعرفة دقيقة بنفسيات البشر. فلكي يثير فيهم إحساس الندم، ويوقظ فيهم الشعور بالحاجة إلى التوبة، ويهيج ضمائرهم الخامدة. قرر الاعتزال والابتعاد عنهم، وكأنه يجعلهم وجها لوجه أمام ضمائرهم ويجعل أنفسهم شهداء عليهم في جريمتهم النكراء، أيهيئ لهم القدر من ينتشلهم ويركلون بأقدامهم النعمة؟

نعم قرر العزلة في جزيرة خاصة، وتنسك هناك مع يحي الكدالي وسبعة نفر من كدالي، وابتنى هناك رباطا للعبادة، يعيشون في عزلة مع أنفسهم يناجون ربهم في صمت، ويهزجون بدعائهم في خشوع، ويصهرون أنفسهم في أتون من الصبر والرضا والقناعة ... ولم تكن أخبارهم لتخفى، وقد ارتفعت مكانتهم في أعين الباقين، حيث وسموا بأنهم قروا بدينهم من الضالين المضلين. فلا بدع أن يتأثروا وان تتسرب التوبة إلى قلوبهم، وان تتحرك فيهم عوامل الندم، فيسرعوا إلى يقينهم الذي تركوه، ويئوبوا إلى إيمانهم الذي أوشكوا أن يفقدوه. وها هي طرائفهم تتسارع إلى عزلة ابن ياسين، وتنضم إليه واحدة أثر الأخرى، حتى تكاثر العدد ووصل إلى الألف، وطبيعي أن يفرح بهذا العدد الذي ضم الكثير من إشراف صنهاجة، وان يشرق قلبه بالفوز، فهذه اللبنات ستضع أسس المستقبل. ولذا عكف على تلقين هؤلاء العلم والمعرفة، وسماهم المرابطين. لكونهم دخلوا معه في رباطه.

الشروع في العمل

لم يتوان أو يتكاسل بعد أن حصل على هذا الفوز المبين، فهو كان سيكتفي بأقل من هذا المقدار، وها هي الظروف تساعده، والإقبال يتزايد على برجه الخاص. فهل سيضيع هذه الفرصة، ويوقف هذه الفورة العارمة من القلوب المتلهفة إلى الإيمان، والمتطلعة إليه في ثقة واطمئنان، والي حسبه أن يلقى إليها بالكلمة لتتبعه أني شاء، لا تسأله إلى أين ولماذا ... لذلك فليس من اللائق أن يقف برسالته عند هذا الحد، وهو الطموح

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٩٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٩٤