تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 99

المتطلع على المعالي، المتشوق إلى بناء عز شامخ. فهو يكمل رسالته التي أنبطت به، وسوف يحمل على البقايا التي ما تزال متلكئة، والتي لم ترد أن تستمع إلى صوت الحق والنجاح، سوف يعطيها الدرس الناجح في حياتها، وسوف يتغلب عليها رغم ترددها وانحيازها على الصمت الرهيب، أيترك هذه القوة تذهب هباء بدون استغلال؟ لم يكن يريد أن يكون كأساتذته يبنون رباطا للعبادة ثم ينغمرون فيه إلى الأبد. انه يريد انم يخرج إلى الحياة ليجالدها وتجالده، ويعرض إرادته عليها، ويرسم نفسه زعيما رغم انف الزمن.

ولم يرد أن يسلك سياسة الارتجال تجاه الطوائف التي ما زال لم تقبل الخضوع، بل كان يعتمد على لبقاته ومعرفته لنفسيات هذه القبائل المستعصى أمرها. واختار لهدايتها وإرشادها الرؤساء الذين آمنوا به ودخلوا رباطه، فبواسطتهم يستطيع أن يضربهم الضربة القاصمة، ولكن بعد إنذار وتنبيه، وهو كان يومن سلفا أن هذا الإنذار سيكون عديم الجدوى ... ولكنها خطة اختطها ويجب أن يستمر فيها إلى النهاية، وقد شارك في الإنذار بدوره واستمر طيلة سبعة أيام، وهو بخوف ويهدد وينذر ويوعد، والقوم لا يزدادون إلا عنوا، ولا يقبلون إذعانا. وهناك شرع في الخطوة الثانية وهي الحرب، فأشهر سيف نقمته، وصب جام غضبه على المخالفين، فانهزم أمام عزيمته قبائل (كدالي) أولا، ثم (لمتونة) (ومسوفة)، وتتابع العصاة يقدمون توبتهم وإخلاصهم. ولم يكن يقبل هذه التوبة بدون أن يضع لها علامة خاصة، ولم تكن هذه العلامة سوى أن يضرب كل واحد مائة سوط، ثم يلقنه بعد ذلك التعاليم الصحيحة، وقد يعرض على هذا النهج بان فيه نوعا من الجفاء والخشونة، وقد يسم بعض المتنطعين هذا الإجراء بأنه تعسفي، ولكن الحقيقة تكذب هذا، فقد تظهر التجربة أن بعض الأقوام لا تنفع معهم إلا الشدة، وانك لو ظللت الدهر كله، تخاطبهم باللين وتتبع معهم الإجراء العادي، تفشل لا محالة، على أن آخر الدواء الكي، فهو قد استنفذ جميع الوسائل، وأداه اجتهاده وتمرسه بالأحداث إلى أن هذا العمل خير معوان على النجاح ...

وقد نجح بالفعل، وكان الجميع يتقبل هذا التطهير الجسدي بغاية الانشراح، وينضمون إلى الغزاة ليحاربوا بقية المخالفين بعزيمة لا تقهر، وإيمان لا يتبدد.

ونلمس ظاهرة جديرة بالملاحظة في هذه الفترة، تدل على حرص هذا الداعية على نشر كلمة الإسلام، وتشجيع القوامين عليه، ذلك أن الأخماس والزكوات وطائفة مهمة من المال التي كانت تتوفر له، لم يكن ليصرفها على نفسه، أو يستمتع بها إرضاء لنزواته، وإنما كان يبعث بها إلى طلبة المصامدة، وقضاة الشرع فيها، تشجيعا لهم على الدراسة، وترغيبا في إحلال الدين محل العوائد والتقاليد ...

وأخرى يجب أن نهتم بها، وهي انه بعد موت (يحي الكدالي)، كان بإمكانه لو أراد أن يجمع السلطة في يديه، ويتحكم في مصير الصحراء وبلاد السوس بدون معارض ... ولكنه عزم عن ذلك، واكتفى بتلك السلطة الروحية التي ملكها عن حدارة، ونقل الأمر إلى فرع لمتونة الذين نسبت الدولة إليهم يعد، وظهر منهم (يوسف بن تاشفين) بطل الإسلام والمسلمين.

فهذا عن دل على شيء فإنما يدل على انه خط لنفسه خطة لا محيد عنها، وهي التبشير والإنذار ثم التوجيه والإرشاد ... وكفى بهذه راحة لضميره وغذاء لوجدانه ...

على انه كان يفكر بعيدا، فهو لا يريد أن بقى هذه الدعوة النيرة مقتصرة على هذه الإرجاء، ولا أن يستمر هذا المشعل في هذه الرقعة المحدودة، بل كان يطمح في توسيع دائرتها، وجمع كلمة المغرب الذي مزقته الأهواء وتحكمت فيه النزعات، وأضحى نهبا لإقطاعيين همهم إرضاء نزواتهم في الحكم والرياسة، ولكي يحقق هذا التوسع كان لابد له من أن يبقى بعيدا عن ميدان السياسة والحكم المباشر. وان كان في الحقيقة هو المدبر لكل الأشياء.

المعركة داخل المغرب

لم يبخل الحظ على ابن ياسين ولم يترك ساحته، فها هي الصحراء قد دانت كلها بالطاعة، وها هي إرجاؤها تتجاوب بالإيمان بالله وتسبح بحمده. فهل يقنع بهذا وحده، وهل سيكتفي نفسه الطموح بهذا المقدار من النجاح؟

أغلب الظن انه كان في نفسه يدبر الخطط ويهيئ البرامج ... ولكن الحوادث كانت تسبقه دائما، وها هي بلاد المغرب تتفتح أمامه بسهولة. وها هي سجلماسة تدعوه وتلح في الدعوة، وترجوه على لسان فقهائها وأشياخها، أن ينقل دعوته إلى جوانبها، وينشر فيها النور والإصلاح كما نشره في غيرها ...

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٩٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٩٥