تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 97

عقول الكثير منها، ولم يكن الدين قد تغلغل في أعماقها إلا سطحيا، فقد كانوا يظهرون التمسك به، ولكنهم لا يحافظون على طقوسه وأحكامه ... وقد جرت العادة في البلاد المغربية، انه إذا حل موسم الحج تالف وفد عظيم من الرجال الراغبين في أداء هذه الشعيرة، يترأسه الحاكم العام، ويضم خليطا من الرجال والنساء، ويرجع سبب هذا إلى مخاطر الطريق وطول المسافة وصعوبة السير على انفراد، فاتفق على أن يضفي على الرحلة هذا الجو الرسمي حتى تحتمي من الأهوال. وكان الوفد الحجيجي هذا يعلن عنه من قبل، وينضم إليه كل طالب، فإذا حل الإبان خرج الكل على بركة الله، شاقا طريقه على شكل قافلة تامة التجهيز، مكتملة العدد والعدة، ومستعدة لكل الطوارئ ...

وان دل هذا على شيء فإنما يدل على اعتناء المغاربة بهذه الشعيرة، وتفانيهم في أدائها رغم كل الصعوبات.

عندما دخلت سنة 427 هـ استخلف (يحي) على رياسة صنهاجة ابنه (إبراهيم) وارتحل متجها إلى الشرق منبع النبوة، ومركز الإشعاع الروحي. وبعد أن أدى مناسكه، وقام بفروضه على أحسن ما يرام، عاد عوده على بدءه، وجعل طريقه كالعادة مصر فطرابلس فتونس، وفي هذه الأخيرة عرج على بلاد القيروان التي كانت تنافس إذ ذاك قرطبة وبغداد، فهي مركز من مراكز الإشعاع في إفريقيا الشمالية ... وفيها المشرعون القانونيون، والفقهاء الممتازون، والوعاظ الأكفاء المرشدون، وأعجب يحي بهذه المدينة، واستطاعت أنوار المعرفة المنتشرة في أبهائها من أن تجلبه إليها وتوقفه إلى حد. وهكذا التقى بالفقيه الزاهد (ابي عمران الفاسي) الذي كان بحرا في العلم لا ينضب له معين، وعينا تتفجر بآيات الحكمة وصادق التعبير. وحضر دروسه واستمع إلى وعظه وهديه، فغشته نوع من الوجوم، وسيطر عليه نوع من الذهول أتكون قبيلة صنهاجة تدين بالإسلام، ولا تعرف عنه أي حكم من أحكامه؟

- حقا ما أضيع قبيلتي، وما أكثر ما أتحمل أنا من مسؤوليات طوقت بها إلى الأبد.

وبدأت الهواجس تراوده وتجسم له الخطر الذي يجتاح قبيلته. وكان لوعظ الشيخ ولأنوار الحج الهادية أثره في نفس يحي الذي صيغ من جديد ... فلم يكن من قبل يعرف الإسلام بهذا الصفاء، ولم يكن يعهد فيه هذا الاتساع وهذا اليسر، بل يكن يخطر في نفسه أن قدسية هذا الدين تتعالى إلى هذا الحد.

ولم يجد مفرا من أن يقترب من الشيخ، ذاكرا له اسمه ونسبه ومركز حكمه، ومعرفا ببلاده وسكانها، وكيف أن الجهل غلب عليهم،

فهم لا ينقصهم الإيمان ولا تعوزهم التوبة، وإنما تنقصهم الروح المدبرة، واليد الآسية التي تحنو في رفق وتقاوم في غير شدة. وطلب من الشيخ أن يغرس شجرة في هذه التربة وان يمده ببعض طلبته، كي تنفذ هذه البلاد، ويتطهر أهلها.

لم يستصعب الشيخ (أبو عمران) طلبا كما استعصت هذا الرجاء، فالمهمة التي ألقيت على عاتقه صعبة وشاقة، فهذه الصحراء التي سيحملها إليها النور. خشنة العيش، صعبة الحياة، وأهلها أصحاب طباع جافة. وقد ألفوا حياة لا يقدر عليها غيرهم. فمن يا ترى يستطيع أن يقوم بهذه التضحية ويفارق أهله وخلانة، ويهاجر في سبيل هذه المنفعة؟ كانت المهمة تستدعي كثيرا من البذل وكثيرا من التضحية وليست هي بتلك السهولة التي كان يتخيلها (يحي الكدالي).

البحث عن المرشد

نشر الشيخ الفكرة بين تلاميذته، بعد أن دعاهم لجمع عام، ووضح لهم الهدف الذي يرمي إليه يحي، وندبهم للقيام بالمهمة المقترحة واحدا واحدا ... ولكنهم أحجموا وأشفقوا على أنفسهم من هذا المصير المحفوف بالخطر، ولم يستطيع أي واحد أن يكون من ذوي العزائم الصادقة فيقدم على العمل غير هياب ولا وجل ... ولكن عزيمة الشيخ لم تلن، وإيمانه لم يضمحل تجاه هذا العصيان الغير المقصود، وكان ما يزال في كنافته سهم يدخره للخاتمة، ولم يجد مناصا من استعماله. فهنالك تلميذ نخلص عرف الشيخ قديما، ويسكن الآن بلد (نفيس) من ارض المصامدة (بلاد السوس) فلم لا يكتب إليه عاه يحقق هذه الرغبة.

ونفذ الفكرة بالفعل، وكتب إلى التلميذ قديما، المربي حديثا، (وأكاك بن زالو اللمطي) كتابا خاصا يرجوه فيه تزويد يحي بمن يثق بدينه وورعه، ولم يكن هذا الشيخ السوسي ليرد هذا الطلب، وهو الذي بنى رباطا للعبادة والعلم، وهيا نفسه للإصلاح والإرشاد ... وتبحر في العلم تبحرا جلى به في ميدان المعرفة، واعتبر من رجال التشوف الذين خلصت روحهم من الكدرة، وطهرت نفوسهم من الرجس،

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٩٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٩٣