تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 96

الدم، وأصبح الشعب عنصرا واحدا تثور ثائرته حين يرى الوطن في خطر، وتدفعه روحه المتحدة المنسجمة إلى الثورة على الأوضاع الفاسدة، فيظهر الزعماء سواء أكانوا من العنصر العربي أو العنصر البربري.

ولا حاجة إلى استعراض التاريخ، فيكفي ظهور الدولة المرابطية، هذه الدولة اللمتونية التي تنتمي إلى صنهاجة ذات الفروع العديدة والتي كانت تقطن الصحراء المغربية، وتعيش فيها منعزلة، طعامها اللحم واللبن، وكان يمكن أن يظلوا في صحرائهم تائهين، يسيطر عليهم الجهل، وتطغى عليهم الحروب، ولولا أن ساقت إليهم الظروف الداعية ابن ياسين، الذي أدرك ببصيرته أن قوة كامنة، تختفي في هذا الأديم، وان بالإمكان لو وجدت الهداة والمرشدين أن تبرز للعيان قوية جبارة، وان هذه الطوائف لا تستطيع أية قوة مهما كانت أن توجد صفوفها سوى الدين، فهو الشعاع السحري الذي ينفذ إلى الأعماق، ويتغلغل في الأفئدة، فيلين القلوب القاسية والأفئدة الصلدة، ويبعث في النفس شعاعا من الأمل، ويفتح أمامها نوافذ المعرفة واليقين، فتتحدى الصعاب وتهزأ بالمخاطر. وسلك هذا المنهج فنجح فيه كل النجاح، واستطاع أن يجعل من هؤلاء الذين لم يعرفوا طعم الخبز ولا تذوقوا لذيذ الطعام، يسيطرون على دولة الأندلس ذات الرفاهية الممتازة والنعيم المتدفق.

ولنرجع إلى عبد الله بن ياسين لنبدأ القصة من فاتحها. فمن هو عبد الله بن ياسين هذا؟ لسنا في الحق نعلم عنه شيئا في مراحل حياته الأولى، وكل ما يذكره عنه التاريخ انه كان تلميذا مخلصا لشيخه (وكأك بن زالو اللمطي)، المربي الصوفي الذي كان يقطن السوس، كما أن النسابين يعرفونه بأنه (عبد الله بن ياسين بن مكوك بن سبر بن علي بن ياسين الجزولي). وإذن فهو منسوب إلى جزولة وهي فخدة سوسية، اشتهرت بإعلامها ودعاتها، فلا بدع أن ينبغ فيها هذا الصبي الطامح، الذي هاله ما هي عليه البلاد، من جهل وميل عن الطريق المستقيم، فالتجأ إلى هذا المربى العظيم، ليقوي من نفسه الضعيفة، ويبعث في وجدانه الهائج المضطرب نوعا من اليقين، وبصيصا من النور، وليت أدري هل كان الطفل الصغير، يعلم ماذا تخبئه له الأيام، وماذا سيحمل له الغد المجهول .. ؟ ولسنا ندري أيضا ماذا كان يدور في نفس المريد الصغير، وهو منزو في زاوية شيخه اللمطي، يتابع قراءة أوراده، ويذاكر القليل من العلوم، ويزود نفسه بالكثير من الثقافة الروحية التي هي المعيار الوحيد لصفاء النفوس وصقلها وتطهيرها من ادرأن البشرية؟ هل سيقف به السبر عند حد التزود بهذا الزاد، أم سيفك عن نفسه هذا الرباط، ويخرج على الناس مذكرا بالآخرة، وواعظا منذرا، يبصر الناس بأمور دينهم، وينهاهم عن الفواحش ما ظهر منها وما خفى؟؟؟.

وليس من شك في أن طغيان المادة غذ ذاك كان قويا، فكان الناس يلجأون إلى ثقافة روحية تنقذهم من مخالب الشيطان، ورغم ما في هذا العمل من تواكل، فإنه كان الوسيلة المتبعة التي تحد على الأقل من غرور النفس ومطامعها، وتجعل الإنسان يهرب من الأوضاع الحاضرة، يتقى بورده ما لا يعجبه.

ومهما يكن فإن الظروف كانت تهيئ صاحبنا لدور عظيم الأهمية، وتدخره لمهمة ناجحة سيقلب بها وجه التاريخ.

ويجب أن نوضح أن (الربط) و (الزوايا) كانت إذ ذاك تقوم بمهمة عظيمة الأهمية، فلم تكن تقتصر على إخراج المرشدين وكفى، بل كانت تزود البلاد حتى بالعلماء والمفكرين، الذين تصدوا بعد للتعليم واخرجوا جيلا صالحا، ولذلك فابن ياسين لم يكن يقتصر على ثقافته الروحية، بل كان يزود نفسه بالثقافة العامة، ويدرس ويتعمق في فهم النصوص العلمية، وكان كفاحه العلمي كفاحا مجيدا، هو الذي أهله لكي يبعث الروح في لمتونة وينشئها من جديد.

وفد الحجيج الصحراوي

تعتبر الصحراء المجال الرئيسي للكثير من البرابر وعلى الأخص صنهاجة التي تنتمي على البرانس، والتي تعد من أعظم القبائل، ولا يكاد يخلو أي قطر من أقطاره من بطن من بطونهم. حتى ليزعم بعض النسابين أنهم ثلث البربر ... وقد تفرعوا بطبيعة الحال إلى فروع، كانت تتطلع إلى المجد وترنو إلى العلياء ... وأتاحت الظروف النجاح لقبيلتين، هما: دولة بني زيري بن مناد، ودولة لمتونة ...

وكان للمتونة منذ القديم الرياسة، واستوسق لهم الأمر، وأصبح لهم النفوذ الشامل منذ عهد (محمد ابن تيفاوت) الذي كان شخصية محبوبة ومحترمة. وعند موته انتقل أمر هذه القبائل الصحراوية إلى سيطرة (يحي بن إبراهيم الكدالي) وهكذا دخلت قبيلة كدالة في الحكم وأصبح لها الرياسة على قبائل تختلف في العادات والتقاليد، ما زال الجهل يتحكم في

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٩٢