تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص79

وهذا الحج: لم شرع؟ وعلى من فرض؟ اهو غربة وعذاب؟ أهو طواف حول أحجار وبنيان؟ كلا! انه اجتماع وتعارف، تعاون وتآلف، انه تطهير للمسلم من كل آثار الأنانية والانعزالية، وإعداد له على التعاون والاجتماع .. انه في مكة طواف وسعي يدلان على نبات على الخير والتفاف حوله ... وفي منى حجار ورمي يرمزان إلى مكافحة الرذيلة والشر .. ذلك هو الحج .. لخصت حكمته ثلاث كلمات من كلم الله المشعات (ليسهدوا منافع لهم).

وهذه الزكاة: معجزة الإسلام في تشريعه الاجتماعي العظيم، وسر بقاء المجتمع الإسلامي مئات السنين كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، والمعول الجبار الذي قوض به الإسلام روح الأنانية والفردية والانعزالية .. محلا محلها روحا غيرية اجتماعية جديدة.

في ذلك العهد الجاهلي السحيق .. حيث كان الإنسان يأكل أخاه الإنسان .. يأكل حقه، ويأكل كرامته، ويأكل منزلته الاجتماعية .. وحيث أدى تكالب بعض الناس على ما تحت أقدامهم من لذات ومتع إلى ظفرهم بكل شيء، وحرمان البقية الباقية كل شيء .. جاء الإسلام يعلن للجميع أن الناس سواسية، وأن الإنسان اخو الإنسان، وان الفقر والضعف ليسا عيبا يلزم صاحبهما إلى الأبد، بل أن لكل فرد في المجتمع الإسلامي أيا كانت طبيعته منزلته الإنسانية الكاملة .. وكانت مقاصد الشريعة الضرورية تهدف إلى المحافظة على حقوق خمسة في الدين والنفس والعقل والنسل والمال واتجهت في المحافظة علها وجهتين .. الأولى: إقامتها بتحقيق أركانها وتثبيت قواعدها، والثانية: ردء الخلل الواقع أو المتوقع منها .. مركزة جهودها في سبيلها، معلنة للحفاظ عليها حربها وجهادها ..

وليست الزكاة في كل أزيائها إلا ضمانا لهذه الحقوق جميعا .. ورصيدا سائلا يمد المجتمع الإسلامي بالحيوية والحركة والنشاط، ويمنحه الصحة والعافية والسلام.

لقد عرفت الشريعة الإسلامية بحدسها الصادق أن المعدة الخاوية أبدا لن تجد حلاوة التوحيد ولذة الإيمان .. كما لن تجد قدرة على الإنتاج أو قوة على العمل ..

لقد عرف الإسلام بحدسه الصادق هذا-ما أثبته العلم اليوم عن طريق شيئا بعيدا عن ذاته وتركيبه وأجهزته .. وان سلوكه البشري كله .. خيره وشره، صالحه وفاسده، يرجع إلى وضعيته الصحية بالإضافة إلى حالته العقلية.

فالشخص المريض الذي هبطت طاقة خلاياه العصبية لأنه لا يجد غذاء كافيا، كالشخص الجاهل الذي لا يجد فرص التربية الكافية .. لا يمكن أن تصدر عن إحداهما تصرفات سليمة فضلا عن أن نعتر في أهابه على فضائل يانعة أو أخلاق مشرقة .. لان الحرمان يفقده سكينة النفس وغبطتها، ويمتص من روحه العزيمة والأمل .. وفي هذا يقول الدكتور ادوارد سيبشر كولز في كتابه (لا تخف): (أن كل تغير في الخلية العصبية مهما تقل درجته، يتبعه لا محالة تغير في نفسية صاحبها).

ويضرب لنا مثلا .. رجلا سكيرا بلغ في الإدمان درجة حطمت كل معنوياته، وجردته من كل خلق وفضيلة، ولما عجزت المواعظ عن إنقاذ هذا المغلوب على أمره صاح العلم: أن توقفوا: أن العلاج يجب أن يبدأ من الداخل .. حيث الخلايا المجدبة، والأعصاب المنهوكة، والغدد المختلة.

وهناك في غرفة العمليات أجرى له الدكتور كولز عملية بزل للسلسلة الفقرية التي تخفض الضغط على السائل المخي، فتتغير بذلك المخ .. فإذا العافية الصحية والنفسية تعودان للمريض، وتعود معهما الأخلاق الطاهرة، والروحانية الضامرة.

وما من ريب في أن هذا الذي انطبق على الفرد، ينطبق على الجماعات والمجتمعات، فالمجتمع المتمتع بعافية اقتصادية هو الذي تزدهر فيه الفضائل، أما المجتمع الجائع المضني، فلا تكاد تزوره الفضيلة من الباب حتى تغادره من النافذة .. لان الجوع إلى الخبز (كما يقول فرويد) كالجوع إلى الجنس: هما اللذان يوجهان سلوكه .. فالرخاء هو الجهاز، وهو الغدد، وهو الخلايا التي تحيا بها الشعوب، والصاروخ الذي يوجه سلوكها، ويقود أخلاقها.

أليست الفضيلة تعني السلام والإخاء والمحبة؟ فكيف السبيل غليها في جماعة يؤجج الحرمان فيها نار الحقد والبغضاء والتشاؤم من الحياة وأهلها؟ أن اباذر

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٧٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٧٥