دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص80
الغفاري ليتصدى منذ فجر الإسلام لتأكيد هذا فيقول: إذا ذهب الفقر إلى بلد، قال له الكفر: خذني معك. ثم يأتي توماس بين ليؤكده بآيته الخالدة «أن الفقر ليتحدى كل فضيلة».
أجل .. ومن أجل الفضيلة جاء الإسلام أيضا باشتراكيته المثلى .. بنظام الزكاة. فقد أمر الله سبحانه ورسوله محمدا (ص) فقال (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) وبين له وجوه صرفها بقوله (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغامرين وفي سبيل الله وابن السبيل، فريضة من الله، والله عليم حكيم) وقرنها بالصلاة في أكثر من موضع، اذكر منها قوله تعالى (قد أفلح المؤمنين، الذين هم في صلاتهم خاشعون، وللذين هم عن اللغو معرضون، والذين هم للزكاة فاعلون).
وهنا يقفز إلى الذهن سؤال .. هو من الأهمية بمكان .. ترى .. أيقصد الإسلام باشتراكية الزكاة اشتراكية التسول كما يجري به العمل الآن؟ كلا أيها السادة، أن كلمة الصدقة في عصر الرسول وفي لغة القرآن لم تكن تعني التسول، بل كانت تعني ضريبة مفروضة بأخذها ولي أمر المسلمين من القادرين لفائدة العاجزين كضرب من التوازن تقيمه الدولة لتقليل الفروق بين طبقتي المجتمع .. مما يقلل أسباب التحاسد والتباغض بينها، ويوفر أسباب العيش لها في الإسلام .. فإذا قال القرآن (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) كان معناه أن الولي ملزم بأخذ حق الفقراء من الأغنياء وصرفه في وجوهه الثمانية المتقدمة دون إبطاء .. لا أن يترك الأمر إلى الأغنياء يفعلون أو لا يفعلون ..
ذلك أن كلمة (خذ) في الآية الكريمة فعل أمر، والأمر كالنهي في التشريع الإسلامي صورة من صور اللفظ الخاص، واللفظ الخاص إذا ورد في نص شرعي تناول مدلوله قطعا، وكان الحكم الثابت به قطعيا ما لم يدل على صرفه عنه .. ولهذا كانت آية الزكاة هذه ملزمة ولي أمر المسلمين، لان الخطاب موجه إلى النبي (ص) وإلى خلفائه من بعده، ملزمة له أن يقوم بجمع الزكاة وصرفها في وجوهها المنصوص عليها .. إنما الصدقات للفقراء والمساكين .. الآية، ومن أجل هذا قام أبو بكر رضي الله عنه بعد وفاة وفاة النبي عليه السلام يطالب المسلمين بأدائها، معتبرا إضرابهم عنها خروجا على نظام الإسلام وارتدادا عنه، فكانت حروب الردة التي ثبت بها أبو بكر رسالة الإسلام وقواعد المجتمع فيه.
أن في هذا لأبلغ رد عل اولئكم الذين يسمون اشتراكية الإسلام بأنها اشتراكية التسول والصدقة في المفهوم الحديث .. وانهال بهذا المعنى الأخير هي كل ما استطاع الإسلام أن يقدمه لمجتمعه من عدالة ومساواته .. أن الإسلام الذي دعا إلى العمل ومجده وحض عليه لم تكن الصدقة بمعناها هذا في حسابه كوسيلة تنهض بها حياة الأفراد فالجماعات .. بل هي شيء يشهه أكل الميتة يباح عند الحاجة الملحة والضرورة القصوى .. ولكنها لا تعالج هبوط المستوى المعيشي للأمم والجماعات .. هذه بديهية يعرفها كل من عرفوا محمد (ص) ودرسوا نفسية الإسلام. فلفقد وضع عليه السلام الصدقة في مكانها المواتي لها حين قال:
(أنها أوساخ الناس .. أنها غسالة ذنوب الناس) وحين قال أيضا فيها وفي تمجيد العمل: (لان يأخذ أحدكم حبله فيأتي محزمو من حطب على ظهره فيبيعها فكيف بها وجهه، خير له من لن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه) وقد فسروا حديث (اليد العليا خير من اليد السفلى) بان أعلى الأيدي هي المنفقة ثم المتعففة عن الأخذ، ثم الآخذة بغير سؤال، وأن أسفل الأيدي هي السائلة والمانعة.
لقد جاء رسول الله حفيده الحسن يمد يده نحو تمرة من تمر الصدقة ويدفعها في فمه، فانتزعها منه وهو يقول: كخ، كخ، أنها لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد .. أنها أوساخ الناس .. فهل كان آل محمد طبقة ارستقراطية خاصة تأبى الضعة والهوان لنفسها في الوقت الذي تتخذه للناس شرعة ومنهاجا؟ معاذ الله .. إنما هو مثل رائع يضربه محمد بهذا المجتمع الصغير الذي هو أسرته، للمجتمع الكبير الذي هو أمته.
ولذلكم كان الإمام الشافعي رضي الله عنه يفضل الأكل من شبهة على الأكل من صدقة، ويقول عنها: (أنها تدع البطون عليلة، والنفوس ذليلة) فالدين الذي يحقر التسول ويمجد العمل، لا يمكن أن يعالج مشكلة الفروق الطبقية في المجتمع بالصدقات، بل باشتراكية الحقوق والواجبات التي بها يستطيع المجتمع أن يقاوم الإعصار، ويهزم العاصفة، ويبلغ الشاطئ السعيد.