دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص78
ومن تكون الحضارة أعجبته
ومن ربط الجحاش فان فينا
وكن إذا أغرن على جناب
أغرن من الضباب على حلول
وأحيانا على بكر أخينا
فأي رجال بادية ترانا
قنا سلبا وأفراسا حسانا
وأعوزهن نهب حيث كأنا
وضبة انه من حان حانا
إذا ما لم نجد إلا أخاناكان هذا لسان حال العرب ...
فكان على الإسلام-وهو بصدد إنشاء دولة وخلق امة- أن يقتلع هذه الروح من أعماقها، ويحل محلها جديدة شعارها التعاون والتعايش، فإذا صلة قوية بين الفرد والمجتمع الذي يعيش فيه، أوجدتها العبادة والتربية والتشريع ..
تقوم عقيدة المسلم علة أن الله واحدا، وان هذه العوالم كلها مخلوقة لإله واحد، وان الإنسان مرتبط مع هذه العوالم برابطة العبودية والحاجة لله، وان عالم الحيوان بطيوره ودوابه عالم مثل عالم الإنسان (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم).
لم يؤكد الإسلام صلة الإنسان بأخيه الإنسان صلة كرامة وصفا للإنسان (ولقد كرمنا بني آدم) فبثبت هذه الكرامة وصفا للإنسان كانسان، بقطع النظر عن الاعتبارات الأخرى ... يا أيها الناس أنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا .. إن أكرمكم عند الله اتقاكم.
وانه لحافز اجتماعي كبير أن يكون مقاس قرب المؤمن من الله أو بعده عنه نفعه للناس: يقول عليه السلام: الخلق كلهم عيال الله، فأحبهم إلى الله انفعهم لعياله ..
وتقوم آداب الإسلام على اعتبار التعاون مع الناس هو الأساس: فروح الشريعة مكارم الأخلاق، (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) رواه البخاري في الأدب والحاكم، ورواه مالك بلفظ (بعثت لأتمم حسن الأخلاق) والقاعدة التي تبني عليها الأخلاق في الإسلام هي قول الله تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) والبر والتقوى لبا فقط ما يتوهمه البعض من إنهما العبادة فحسب (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر من آمن بالله، واليوم الآخر، والملائكة والكتاب، والنبيئين، وآتي المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن سبيل، والسائلين، وفي الرقاب، وأقام الصلاة وآتى الزكاة ... والموفون بعهدهم إذا عاهدوا، والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس، أولئك الذين صدقوا .. وأولئك هم المتقون).
وتقوم العبادات في الإسلام على فكرة التعاون الاجتماعي بين المؤمن وبين الناس جميعا: فالصلاة مثلا: ما فائدتها؟ ما حكمتها؟ أهي حركات آلية لا مفهوم لها؟ أهي صلة شخصية بين المسلم وربه فقط كلا .. إنها عملية تطهير وإعداد .. تطهير الفرد من الانعزالية والأنانية، وإعداد له كي ينصهر مع المجتمع على تقوى من الله ورضوان ... استمع إلى القرآن يشرح فوائد الصلاة، يقول تعالى: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) هذه هي الناحية السلبية: التطهير، والتعقيم ويقول (إن الإنسان خلق هلوعا: إذا مسه الشر جزوعا، وإذا مسه الخير منوعا، إلا المصلين) وهذه هي الناحية الايجابية .. الأعداد لكل خلق عظيم، تلكم هي الصلاة:
عبادة لتقويم الخلق الاجتماعي في نفوس المصلين، فان لم تؤد هذه الغاية كانت عملا باهتا وحركة ضائعة، (من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا). تلكم هي فلسفة الصلاة كما أعلن عنها نبي الإسلام.
والصوم ... ما فائدته؟ ما حكمته؟ ما الغاية منه؟ اهو جوع وحرمان، كلا، انه أيضا عملية تطهير وإعداد .. تطهير للصائم من القسوة والبخل واللغو والكذب والخصام، وإعداد له ليتحلى بما يحببه إلى الناس .. يقول تعلى عن حكمة الصيام (لعلكم تتقون) تتقون كل ضار خبيث مفسد لحياة الأفراد والجماعات، ويقول عليه السلام (الصوم جنة-أي وقاية أي تطهير- فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفت ولا يصخب، وان سابه احد أو قاتله فليقل إني صائم) هذا هو الصيام .. عمل اجتماعي قبل أن يكون عملا فرديا .. يقول عليه السلام (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) ويقول: رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش).