دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص77
الظفر بمحبوبته ولو عن طريق الإغارة والخطف، ثم تطور مدلوله بعض الشيء في العصر الكلاسيكي فأصبح إنسان الصالون الأنيق اللبق
أما اليوم في العصر الحديث فان التربية الديمقراطية الصحيحة تهدف إلى إيجاد (الوطن الصالح) أي ذلكم الإنسان الذي لا يبدأ تفكيره في مصلحته الخاصة إلا حيث ينتهي عمله لمصلحة الوطن، والذي تهيئه الدولة بواسطة الأسرة والمدرسة والمجتمع لممارسة ماله من حقوق، وأداء ما عليه من واجبات، طبقا لمبدأ (تكافوء الفرص) هذا المبدأ الذي يفتح أبواب النجاح والتوفيق أمام كل ذي كفاءة، والذي يجعل الناس جميعهم سواء أمام القانون ..
إن فكرة المواطن الصالح بهذا المعنى تصميم تعاونت على وضعه دراسات ناضجة في شتى ميادين العلم والتربية والأخلاق، وهي أحسن ما استطاعت أن تقدمه لمجتمع القرن العشرين الصاعد في زيه المثالي النموذجي.
وإذا نحن نظرنا إلى مجتمعنا المغربي وجدناه يرتبط ارتباطا وثيقا بمعتقدات الأمة الإسلامية وتقاليدها وتاريخها وعرفها الخلقي، وما تمتاز به شخصيتها الجمعية ويكتنفها من ظروف في شتى مرافق الحياة، فإذا نحن حاولنا أن نبدأ البناء من الأساس، أي من الفرد، بتكوين المواطن الصالح في مجتمعنا المغربي الإسلامي هذا، تلبية لنداء الديمقراطية المثالية في القرن العشرين، وجب علينا أولا وقبل كل شيء أن نجيب على هذا السؤال: هل عرف الإسلام كدين ونظام فكرة المواطن الصالح أم هي فكرة غريبة عنه، أن نحن اقتحمناها على مجتمعنا قاومها وأجهز عليها كجرثومة ضعيفة تنفذ إلى جسم ذي حصانة؟ (إذا نحن رجعنا إلى تاريخ الإسلام كي نجيب على هذا السؤال وجدناه يبدأ حملته الموفقة من الفرد، فيهتم الاهتمام الكبير بموازنة قواه المختلفة ليكون بناء الأمة متراصا لا غميزة فيه ولا وهن، وسيلته إلى ذلك تنسيق حياة الناس المادية كأحسن ما تعني بذلك المذاهب الاقتصادية، وتقويم السلوك الاجتماعي كأقوى ما تهتم بذلك الدعوات الأخلاقية، وتطهير النفس كأحسن ما تفعل الأديان السماوية .. انه يربط بين هذه جميعا ويلحم بعضها ببعض، فإذا المسلم قوي في كل ما يعيه هذا اللفظ من دلالة: قوي في جسمه، قوي في خلقه، قوي في روحه .. أليس شعاره قول الرسول (ص) (المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف) كما يرويه مسلم.
ولتكوين المؤمن القوي وجد في الإسلام المسجد والمدرسة والنادي، ومن هنا كانت رسالة كل منها وحدة متماسكة يتمم بعضها بعضا: ففي المسجد تبني روح الفرد، وفي المدرسة يبني عقله، وفي النادي يبني خلقه، ومن هنا أيضا كان وجود هذه الثلاثة معا من ضروريات الحياة الاجتماعية الصحيحة، وكان فقدان المجتمع واحدا منها دليل اختلال، فلن تغني المدرسة عن المسجد، ولن تغني الجمعية عن المدرسة، والذين يظنون أن المسجد ليس شيئا أساسيا في بناء المجتمع، إنما يريدون بناء عقل لا روح فيه، وهم في هذا مخطئون يظنون أن المدرسة ليس لها كبير بناء المجتمع السليم، وأن المسجد أو النادي يغني عنها ... فلن تسعد روح بلا عقل، ولن تعمل روح وعقل عملهما من غير خلق يوجههما نحو العمل الاجتماعي المتمر ...
لقد كان أول عمل به النبي (ص) يوم قدم المدينة مهاجرا، وأول حجر وضعه في بناء الدولة التي غيرت مجرى التاريخ، هو بناء المسجد النبوي الكريم، هذا المسجد الذي كان مدرسة ومعبدا ومنتدى في آن واحد، والذي كان من تلامذته أبو بر وخالد وعمر وعلى وسعد وابن مسعود وأمثالهم ... يجتمع إليهم فيه-ومن قبل في شعاب مكة ودار الأرقم وفناء الكعبة- يقوي أرواحهم ويصقل نفوسهم، ويهذب أخلاقهم، حتى إذا مضى لربه كان لهم في التاريخ شأن وأي شان، وكان لهم في هداية الإنسانية نصيب وأي نصيب.
فما هي الخطة التي انتهجها الإسلام لإعداد هؤلاء الخالدين، والتي جعلت منهم مواطنين صالحين ... يحملون الرسالة ويؤدون الأمانة ويخوضون المستقبل في ثقة وحزم وإصرار؟.
لقد شد الإسلام الرحلة وبدا الانطلاق من حيث يجب أن يبدأ كل إصلاح .. لقد شد رحلته على السلوك، وبدا انطلاقه من الأخلاق، اجل ليها الإخوان من الأخلاق أولا وقبل كل شيء.
كانت الفردية والأنانية وحب الذات هي الدفة التي توجه سلوك العربي قبل الإسلام، والطابع الذي بسم أخلاقه .. كانت الفوضى والجهالة والعبث بالقيم قاسما مشتركا بين أغلبية العرب، كانوا يقولون مع شاعرهم القطامي: