دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 47
الإسلام من أن عقيدة الإسلام هي العقيدة التي يأخذ الله بها ويعطي يوم القيامة، ومن ثم كان من العدل الالاهي أن لا يقبل من أهل الأرض أن يدينوا بغير هذه العقيدة على الأرض (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) ومن ثم أمر الله محمدا نبي الإسلام أن يجاهد الكفار والمنافقين ويغلط عليهم، ومن ثم أمر المؤمنين من إتباع محمد أن يقاتلوا الذين يلونهم من الكفار وليجدوا فيسهم غلطة، ومن تم أعلن نبي الإسلام في غير تحرج ولا خوف أن لا عصمة لدماء وأموال الخارجين على هذه العقيدة والمقاومين لها والواقفين في وجه انتشارها حين قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق من الله) وحين قال: (بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري).
ومن حيث كانت عقيدة الإسلام العقيدة التي قررت الوضع المجتبي الذي أراد رب الحياة في الأزل أن تحيي عليه النسمات المبروءة على الأرض، بعد أن تكون قد اجتازت من المراحل ما استكملت به نموها ووصلت إلى الطور الذي تنطبق فيه حياتها مع معاني هذه الرسالة انطباق المخلوق مع ما خلق لأجله، فقد كان من المحتم في طبيعة الخلق وسنة الله أن تشمل من عناصر القوة والحق ما تحقق به وجودها في التاريخ البشري الحي، لذا حققت العقيدة الإسلامية وجودها العقدي في قلوب المؤمنين بها أولا، ثم حققت وجودها الواقعي في تاريخ الدنيا ثانيا، حققت وجودها في قلب محمد، رسولها المبعوث بها أول ما نزلت عليه، وتملكت كل مشاعره، وجميع إحساساته، وإقامته في فترة البعث، يصدع بما أمر، ينذر عشيرته الأقربين ويدعوا إلى دين الله، فيسفه الأحلام، ويضلل الأقوام ويعيب الإلهة غير اله الحق، ويقول لعمه حين جد الجد وحزب الأمر (يا عم: والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري، لما رجعت عن هذا الأمر حتى يظهره الله أو اهلك دونه) وحققت وجودها في صمود محمد لاحين أوقفته في فترة الضعف صامدا صابرا يتحمل الأذى، ولا يبالي الاضطهاد، وإنما يحسب الحساب فقط لان لا يكون عليه من ربه غضب أو سخط، أسمعوه ينادي ربه حينما أغرت به ثقيف سفهاءها وعبيدها يطاردونه ويرمونه بالحجارة: (اللهم إليك أأشكو ضعف قوتي وهواني على الناس، يا ارحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، أنت ربي، إلى من تكلني، إلى بعيد يتهجمني، أم إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي) وحققت وجودها في شجاعة محمد يوم أوقفته في فترة الكفاح بطلات شجاعا، يخوض المعالم، ويقارع السيوف، ويتلقع الرماح، فتكسر رباعيته ويشج في وجهه، ويقف ثابتا لا يتزحزح. وحققت وجودها في عظمة محمد يوم كانت أساس سلوكه مع القوم في فترة الانتصار، فكان بها المثل الأعلى للإنسان المهذب، الحليم الصبور، السياسي المحنك (السوبرمان) العالمي، أليس هو القائل يوم دخل مكة منتصرا: (يا معشر قريش، إن الله قد اذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس من آدم، وآدم من تراب) ثم تلا الآية (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم) يا معشر قريش (اذهبوا فانتم الطلقاء).
ثم حققت وجودها في أصحاب محمد الذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي انزل معه، فصبروا، وصابروا، ورابطوا، وجاهدوا في سبيل الثبات على عقيدة الإسلام.
حققت وجودها في أبي بكر الذي كان بها أول المؤمنين وخير الصديقين، فقلبته من رجل التجارة والتكسب وجمع المال، إلى رجل الإيمان والعقيدة والتضحية وبذل المال، اسمعوا إلى بنته أسماء تحدثكم عنه حينما ترك وطنه وأهله وخرج مهاجرا مع رسول الله، باذلا ماله، ومعطيه رفده، قالت: (لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج أبو بكر معه، احتمل أبو بكر ماله كله خمسة الآف درهم أو ستة آلاف، فانطلق بها معه، قالت فدخل علينا جدي أبو قحافة وقد ذهب بصره، فقال والله أني لأراه قد فجعلكم بماله ونفسه، قالت: كلا يا أبت أنه ترك لنا خيرا كثيرا، قالت: فاتخذت أحجارا فوضعتها في كوة في البيت الذي كان أبي يضع ماله فيه، ثم وضعت عليها ثوبا، ثم أخذت بيده فقلت يا أبت ضع يدك على هذا المال، قالت: فوضع يده، فقال لا بأس، إذا كان تر لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم، قالت: والله ما ترك لنا شيئا وغنما أردت أن اسكن الشيخ بذلك).
وحققت وجودها في عمر حين كانت بتأثيرها العقدي في نفسه ذلك (الديناميت) الذي هزه هزا، ورماه كالقذيفة إلى دار الأرقم يعلن إيمانه لنبي الإسلام الذي لم تعد يومئذ في الأرض نسمة أحب إليه من نفسه كما قال، ويشهد معلنا أمامه أن لا اله إلا الله،