دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 48
وأن محمد رسول الله، فيهز محمد ومن معه من الصحب القلائل المختفين هزا، ويرفعون التكبير قائلين (الله اكبر) ثم يقول السنا على الحق يا رسول الله أن متنا أو حيينا! قال بلى! والذي نفي بيده إنكم لعلى الحق أن متم وان حييتم، قال عمر ففيم الاختفاء، والذي بعثك بالحق لنخرجن، ويخرج الجميع مهللين مكبرين لهم كديد ككديد الطحين، فنراهم قريش، وتصاب يومئذ بكآبة لم تصب بمثلها من قبل.
وكما حققت هذه العقيدة وجودها في عمر بعملها العقدي في نفسه، فقد حققت وجودها فيه بتأثيرها التربوي في سيرته، حين صبرت منه ذلك الحاكم القوي الذي (فتح الفتوح، ووضع الخراج، ومصر الأمصار، واستقضى القضاة، ودون الدواوين، وفرض الأعطية ...
وحققت بوجودها في المستضعفين من المؤمنين الأولين عند ما تركزت في قلوبهم وامتزجت بدمائهم وأعصابهم وتحملوا من اجل الثبات عليها من ألوان العذاب ما كان به صناديد قريش يجرونهم فوق رمال الصحراء، على ظهورهم وصدورهم الحجارة المحماة، وهم صامدون صابرون وقلوبهم مطمئنة بالإيمان، ينشدهم بلال تحت السياط نشيد الإيمان مرددا «احد أحد».
وحققت وجودها في سليمان الفارسي الذي كان إذا سئل، ما نسبك؟ أجاب: نسبي الإسلام.
وحققت العقيدة الإسلامية وجودها في غير أولئك وهؤلاء في قادة الإسلام، وساسته وحكمائه وعلمائه ورجاله الفاتحين في كل بقعة حلها الإسلام فكونوا بذلك (تاريخ الإسلام)
فمن قلوب رجال الإسلام، من أخلاقهم، من سيرهم، من أعمالهم، حققت العقيدة الإسلامية وجودها في المجتمعات الإسلامية، حققت وجودها في عهد النبي في الجزيرة العربية فقلبت أهلها من أولئك الأعراب الجفاة المتناحرين الأشد كفرا ونفاقا، إلى أولئك المسلمين المؤمنين الموحدين الأكمل تهذيبا وخلقا، وصيرتهم كما وصفهم جعفر بن أبي طالب عند ما سأله ملك الحبشة عن حقيقة هذه العقيدة التي فارقوا فيها دين آبائهم، وهجروا من أجلها أهلهم وأوطانهم، فقال (كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم، والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور واكل أموال اليتيم وقذف المحصنة وان نعبد الله وحده لا شريك له).
ثم حققت هذه العقيدة وجودها في الشام والعراق ومصر في عهد الخليفتين عمر وأبي بكر، ثم انتشرت بعد شرقا وغربا من جبال القوقاز إلى شاطئ الأطلسي، إلى المغرب العربي، على هذا البلد، حيث حملها أولئك الفاتحون الأطهار، والمؤمنون الإبرار، الذين قطعوا الفيافي، وجابوا القفار، لا يحدوهم مطمع، ولا يحفزهم غرض، فانحون أطهار، لم يكن غرضهم من فتح هذا البلد فتح كنوزه وخيراته واستثمار أراضيه واستعمارها، وإنما كان غرضهم أسمى من ذلك كله. كان غرضهم أن يفتحوا قلوب أهله ليغرسوا فيها مبادئ قدسية سموية، هي عقيدة الإسلام.
إن العقيدة الإسلامية التي حققت وجودها في المغرب الإسلامي بفضل جهاد أولئك الفاتحين الروحيين الأبرار، هي العقيدة الإسلامية التي جعلت منه أمة، وكونت له تاريخا، وأسست له دولة، وخلدت له مجدا لا يزال في التاريخ يذكر ويعبر، ففي هذا البلد حقق الإسلام وجوده في المغاربة الذين اعتنقوه فكانوا به المغاربة المسلمين، الأبطال العظام، رجال الفتح والإيمان، الذين رسخت عقيدة الإسلام في نفوسهم، ثم حملوا بعد مشعلها، يضيئون به ما حوالي هذه البلاد من أصقاع وبقاع. في هذا البلد حقق الإسلام وجوده في الفريق الأول الذي عبر بحر الزقاق إلى الأندلس بقيادة طارق، ثم احرق ما عبر به البحر من سفن، لأنه عبر البحر وليس من أمله الرجوع إلا أن تخفق راية الإسلام فوق الجزيرة أو تكون الجزيرة قبورا لرفاتهم، كأبرار شهداء في سبيل العقيدة والمبدأ فكانت لهم الغلبة، وكان لهم النصر، وكان لهم الفتح، وكان لهم أن كونوا في تلك البلاد فردوسا ارضيا لا تزال آثاره مائلة حية ناطقة لمجد الإسلام هناك.
وفي هذا البلد حقق الإسلام وجوده في الفريق الثاني الذي عبر البحر ثانيا بقيادة يوسف بن تاشفين، وضربوا النصرانية في وقعة الزلاقة ضربة مدوا بها من عمر الإسلام ومن مدنية الإسلام في الجزيرة الأندلسية ما يزيد على أربعة قرون.