دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 24
تزدهر فيه مدنية الشرق على أيدي العرب، همجا لا يعرفون كيف يلبسون، وإنما لباسهم المعتاد جلود الضأن والمعز يسلخونها فيقلبونها فيولون الصرف والشعر إلى أجسامهم، كما لا يضير الشرقيين اليوم تأخرهم عن شاو أمم أوربة، وإنما عليهم أن لا يستكفوا أن يقتبسوا منها ما يلائم مزاجهم وبيئتهم من الحضارة والصنائع والعلوم، فإذا بهم بين عشية وضحاها أمثال الغربيين سواء بسواء، وهذا عين ما يفعلونه بالتدريج، ثم قلت له بعد أن أسهبت في الموضوع: أتظن أن ما اخترعه الشرقيين أو اكتشفوه في عالم الطب والهندسة والحساب والنجوم بمراصدهم المعلومة في بغداد والشام وما وراء النهر والأندلس وصقلية، وما اكتشفوه في عالم النباتات والمعادن وما اخترعوه من كماليات المعايش لا يكون له مثل ما كان اليوم للقطار وما ذكرته معه، فان لكل جديد في وقته من اللذة والروعة ما يخلب الألباب، ويستوقف الأبصار، ثم ما يدريك أن تكون مدنية اليوم كلا شيء في مدنية الغد. أو نسيت أن لمؤلفات الفارابي وابن سينا وابن رشد وابن الطفيل وأمثالهم عظيما في تكوين فلسفة هذا العصر وتوجيه عقليته إلى ما تتوجه إليه؟ أو ليست كتب هؤلاء تدرس في كليات أوربة إلى ما قبل قرن بقليل، ولا يزال كثير منها يراجع إلى الآن، فان جهلت كل هذا فراجعه في مظانه.
الآن وقد سمعت ما سمعت: إلا تزال تعزف عن النظر إلى ما عند الشرقيين آباء مدنية أمس، والتلاميذ والعشاق لمدنية اليوم؟ وما يدريك انك تقع في دراسة دينهم على ما كنت تظنه بمبعد منه جهلا منك، كما وقع لك الأمس القريب يوم أن وليت وجهتك إلى دراسة ما وراء المادة، ثم لم تنشب أن وقعت فيما وراء المادة بدراستك على ما تتعجب به من نفسك حين كنت لم قبل من الجاهلين.
إن الحق يا هذا الحق، ليس بشرقي ولا غربي، والشمس في الغرب هيه هي في الشرق، فما لكم أيها المفتونون بالغرب وبهرجته ومادته المصقولة اللماعة تصدفون، ومن الحقيقة تستنكفون، فأنى توفكون؟ أم أنهم قوم أغرار أغمار تجهلون؟.
فقال: لا وأخذك الله بقولتك هذه، فإنها لكلمة غير لائقة بأدب مثلك، فغن الكلمة الشائكة أثيرت في النفوس، فتثور منها عصبية تعمي الأبصار وتأتي على نور العقول وتفيض حلم الحليم.
فقلت: مسامحة، فان الإنسان وان بلغ من سعة الصدر ما بلغ ليخرج ويضيق إذا رأى الحق يغمط والنور الوهاج ينظر إليه كما ينظر إلى الظلمات.
فقال: الحمد لله على ما وفقني الله من الثبات أمام كلمتك هذه، وحين كان الحق هو طلبتنا معا، فإنه لا يضيرني أن ادخل معك في الذي بكل إقدام.
فقلت: الحمد لله الذي وفقك إلى الحق المبين، ولولا أنني اعلم منك استعدادا لما ادعوك إليه لما بذلت هذا المجهود العظيم، ولكن من تطيب منهم السرائر أمثالك لا يخيب عنهم ناصح، والىن نختتم الموضوع، فالله يوفق ويسدد.
ثم قلت له: أن تنس كل شيء فلا تنس أن لا تفلت منك مثل هذه الكلمة الشائكة نحو أخيك السيد العربي وأن سمعت منه ما سمعت، فذلك البق بك. فلا تقف في مثل موقفي تعتذر منه كما وقفت أنا ءانفا حين بدر مني ما بدر أقدم الاعتذارات. فقال: إنني أعدك بذلك وعدا وافيا أن شاء الله أن شاء الله، فصار يكرر أن شاء الله، فأردت أن يبرد الجو قليلا بنادرة احكيها تذكرتها الآن. فقلت له:
ذكرتني الآن وأنت تكرر أن شاء الله حكاية حجي. فقد ذكروا انه خرج من داره بدراهم مصرورة في طرف عمامته التي ألقاها وراء ظهره متدلية، فقيل له إلى أين؟ فقال أني ذاهب إلى السوق لاشتري لي بقرة. فقيل له قل أن شاء الله. فقال: أقول لكم أنني سأشتري بقرة، والبقرة موجود في السوق، والثمن معقود في طرف عمامة المتدلية من وراء ظهري، ثم تقولون أن شاء الله، أنني سأشتري البقرة ولا شيء يمنعني والسلام. قرءاه بعض اللصوص وهو يجول بين زحام المتزاحمين في وسط السوق، وشاهد ما في عمامته المتدلية، فتبعه حتى وجد منه غرة أثناء زحام شديد، فقرض طرف العمامة بمقراض، فلما اشترى جحى البقرة أهوى إلى عمامته ليؤدي الثمن، فلم يجد شيئا، فوقف واجما فعرف من أين أتى!! فصار يقول أن شاء الله. فقيل له ماذا وقع لك؟ فقال سرق مني الثمن أن شاء الله، ثم صار لا يقول كلمة إلا واتبعها أن شاء الله، فحين طرق الباب وقيل له من الطارق؟ قال حجي أن شاء الله، فقيل وابن البقرة؟ فقال سرق المال الذي ذهبت لأشتريها به أن شاء الله، ثم لم يزل ذلك ديدنه كلما كلم أهله.
فلما سمع الحماد الحكاية ابتسم، وقال: انك لذو نوادر فلولا أن الجد يغمرك أحيانا بصلابته وتجهمه ووقاره لكان لك في سوق النوادر رواج ما مثله رواج. ثم قمنا من المجلس وأنا احمد الله على النجاح.