تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 23

وأما ادعاؤك أن كلامي يسحرك، فاعلم أن الحق هو الذي يلقي عليك جاذبيته، ويرسل غليك كهرباءه، ولا يظهر المنصف من غير المنصف إلا بالانقياد للعقل، سواء انقادت مشاعره وعواطفه أو أم تكن من المنقادين، فاحمد الله على ما اتصفت به من الإنصاف، ثم على منا تخلقت به من الصراحة، فكل من لم يتصف بالإنصاف ولا كان من أرباب الصراحة، فلا خير فيه، فان الحق حق دائما، وهو دائما كالشمس في أربعة النهار وضوحا وإشراقا، وإنما يختلف الناس في الاتقاد إليه، والإقدام نحوه بكل شجاعة تدرس على العاطفة والمألوفات.

ثم قلت له: دعنا من كل هذا، فان الوقت قد أزف، فهل تجد منك استعدادا تاما لخوض هذا المبحث الجديد في نظرك أنت، وان لم يكن في نظري وفي الواقع إلا تتمة لما كنت فيه منذ شهر؟

فقال: كل شيء اقبله منك إلا المساواة بين بحث يدور حول ما عند الفلاسفة العظام من الغربيين، وبين بحث مسف على الدركات حول الخرافات المتكافئة الذي تموج فيه أمم الانحطاط والتأخر والجهالة، أمم الشرق، فلو كان في الشرق أدنى ذرة من الحق، لما اصطدمت الديانات التي ابتلى العالم بها من عند هؤلاء الشرقيين وهذه المدينة الغربية المحلقة على كل علياء بعقل جبار، وخطا واسعة، وتجريبات ميزت ما عند الأمم، فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، فقد ظهر أن تلك الديانات الموسوية والمسيحية والمحمدية من الزبد الذاهب جفاء، بل من الغناء الذي تغادره السيول جانبا، بل من المكروبات التي تعشش في الصدور فتتآكل بها الإنسانية وتصدا بعض العقول. فبالله عليك خبرني هل تقدمت أمم الغرب إلا يوم نبذ قادتها وعلماءها ظهريا ديانات الشرق جمعاء؟ أولا تعرف كل هذا؟ أو لم يبلغك ما كتبه أمثال (فولتير) من المجلدات الضخام في إنقاذ الإنسانية، فكان له تأثير عظيم مهد السبيل على الثورة الفرنسية 17899 م؟

فقلت: أسالك سؤالا واحدا فاجبني عنه، وهو هل يجد الأطباء وعلماء التشريح في أدمغة الشرقيين والغربيين من فرق في تجاويفها؟ وهل الغدد التي تكون في أجساد الغربيين خلت منها أجساد الشرقيين؟ فقال: لا، والحق يقال، ولكن ابن ما نحن فيه من هذا؟

فقلت: من أين جاء جدود السكونيين والجرمانيين والغوطيين وكل أمم أوربة، اوليس أنها كلها وردت من ءاسية؟ فقال يلي.

فقلت أن الشرقيين والغربيين إذن من سلالة واحدة، وعقولهم ومداركهم متقاربة، تجد من هؤلاء ومن هؤلاء تشابها في الذكاء في طبقات، وبلادة وتغلفلا من طبقات أخرى.

فقال: لا ها الله، لا نعمد على عقول اخترعت القطار والسيارة والطيارة والغواصة والمذياع والهاتف وكل ما تفتخر به المدنية اليوم، وتدين به في تقديمها وتفوقها فنحكم بأنها عقول همج رعاع ذوي أوساخ ومدارك سخيفة، فأين ءانار عقول هؤلاء الشرقيين؟

فقلت له: أن لكل وقت مخترعات ومكتشفات، فمن يا ترى الذين اخترعوا المسائل الأولية في هذه المدنية، فمن استخرجوا الحديد والنحاس والمعادن أولا، ومن الذين اهتدوا على السفن البحرية، واخترعوا بيت الإبرة والساعات الوقتية وصناعة الحرير واستنبطوا الزجاج واخترعوا البارود ومبادئ المطبعة، ورفعوا أمثال الأهرام وبنوا السدود، واخترعوا تطعيم الأشجار، واخترعوا الكاغد والكتابة وتبوا العلوم ونظموا الأسرة، ونشروا نظام الحكومات والأمم بعضها إزاء بعض، واكتشفوا واخترعوا مئات بل ءالافا مما يعد أسسا لهذه المدنية. أليست العقول التي فعلت كل ذلك عقول الشرقيين؟ فالي أين ذهب علمك بالتاريخ، فهل جهلت ما أثره الفينيقيون والمصريون والأشوريون والصينيون والهندسيون أمس، ثم اخذ اليونان عن المصريين، ثم الرومان عن اليونان ثم العرب عن اليونان والرومان والفرس والصينيين والهنديين، ثم الأوربيون اليوم عن العرب؟ أو لا تقع أثناء ما تطالعه من كلام المنصفين من علماء أوربة على ثناء عطر على مدينة العرب، كالعلامة (دوزي) والفيلسوف (غوستاف) لويسون) والمؤرخ (سيديو) أقرا مؤلفات دوزي، ومدنية العرب لغوستاف لوبون، واسمع ما قاله سيديو: أن العرب هم أساتيذنا ومعلمونا. وقال فلان الأمريكي ما معناه: إننا لا نزال نتعجب من العرب، فكم فكرة نحسب إننا السابقون غليها ثم ينكشف الغيب من ثنايا التاريخ عن أن العرب سبقونا غليها. ثم قل له بعد ما سردت عليه نصوصا من علماء أوربيين منصفين: أن العلم مشاع بين الناس أجمعين، وفوائده ليست شرقية ولا غربية، والمدنية لا تستقر في امة بالخصوص، فقد صار تتنقل من امة، حتى بلغت اليوم أوجها. وسطعت أنوارها، فألقت عصاها أمام كل إنسانية، فلا يضير الغربيين أمس استغراقهم في النوم، وجهلهم العميق في المدنية، حتى كان الانكليزيون في الوقت الذي

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥١٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥١٩