تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 25

الفخر الرازي في عالم الفلسفة

للمرحوم العلامة الفقيه: محمد السايح

يسر مجلة «دعوة الحق» أن تنشر هذا البحث القيم للمرحوم العلامة الفقيه السيد محمد السايح، عن (الفخر الرازي في عالم الفلسفة)

والمجلة تشكر الأستاذ الحسن السائح الذي استجاب لرغبتها، فوضع رهن إشارتها هذا البحث لتنشره تحية لذكرى والده العظيم وتعميما للفائدة، وتعريفا بالفكر المغربي. دعوة الحق

معلوم أن الخصب الفكري لم يكن وقفا على فلاسفة اليونان، ولا أن التراب العربي كان لاستنبات التراث اليوناني فحسب، من غير أن يناله بصبغته، ولا أن يدخل فيه من عناصره.

فإن العبقرية العربية الجبارة أبرزت فلاسفة لا يشق لهم غبار، فبهم الرازي الذي نحاول اليوم الحديث عنه، إلا أن شخصية الرازي الفلسفية ليست جلية لكل احد، فهو في عالم التفسير أشهر منه في عالم الفلسفة، وفي ناحية الجدل وعلم الكلام أسير ذكرا وابعد صيتا من نواحيه العلمية.

والواقع أن الرازي بما أوتي من المشاركة بمعناها التام في مختلف العلوم، فيلسوف بحانة مدفق، غبر أن عدم الالتفات الخاص لناحيته الفلسفية كان له اكبر الأثر في تحويل أنظار كثيرة عنه، كما أن امتلاء الجو الفلسفي بصدى الكندي، والفاربي، وابن سينا، وابن رشد، وابن طفيل، وإضرابهم، لم يمسح بسماع ذكر الرازي جليا، لهذا كان اهتمامي بهذه الناحية من نواحي علومه المتنوعة أكثر، الأمر الذي حملني على أن أثارتها بهذا الحديث بوجه اخص، تحريكا للأفكار، وتنبيها للأذهان على ما كان لسلفنا من الزعامة في مختلف العلوم، حثا للخلف على تحدي السلف، سيما في هذا العصر الذي انبثقت فيه عناصر العلوم، وانفهقت حياضها، وأدرك أهل التفكير عيانا أن لا حياة لهم إلا بالتروي من معينها.

حياة الرازي وعصره

الرازي هو شيخ الإسلام محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين البكري، المولود بالري، سنة ثلاث وأربعين أو أربع وأربعين وخمسمائة، والمتوفى بهرأة سنة 1205، العربي العنصر، ومن تاريخ إشراق نور الوجود عليه، تعلمون أنه كان في آخر دولة بني العباس، والتتر على الأبواب، حيث كان ظهور جنكيز خان وعبوره نهر جيحون سنة 606 وكان العصر غذ ذاك من أوسع عصور الدولة خلافا فكريا، كما كان أوسعها خلافا سياسيا، واني اعرض هنا صورة مصغرة تشخص ذلك العصر الذي كان يعيش فيه الرازي ويستمد منه حياته العقلية، بقصد ربط أفكاره بعصره فأقول:

لا يعزب عن الفكر ما بلغه الملك العربي من الاتساع وترامي الأرجاء والاستيلاء على أطراف المعمور شرقا وغربا، وان حكم العرب قد امتد من نهج التاج غربا، إلى نهر الكانج شرقا، مع ما كان يقوم به من نشر الدين والثقافة العربية، وضروري أن اتساع جوانب هذا الملك العظيم يقضي باندراج شعوب كثيرة في بحبوحته وتحت ظل رايته، وضروري أيضا أن هذه الشعوب الكثيرة من فرس وترك وروم وسريان وغيرهم لها أديان تدين بها وءاراء تتبع أمزجتها، ومعلوم أيضا أن منهم من اعتنق الإسلام ومنهم من بقي علي دينه تحت حكم الإسلام، ومعلوم ما كان بينهم وبين العرب من الامتزاج والاتصال المباشر ولا سيما في عصر بني العباس.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٢١