تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 17

ومنها أنهم لا ينفقون أموالهم ولا يصرفون جهودهم في إعداد ما يفتقر إليه الناس أشد الافتقار في واقع الأمر، ويبذلون أموالهم وجهودهم كلها في إنتاج البضائع والمنتجات التي لا حاجة للناس إليها؛ وما ذاك إلا لأن النوع الأخير منها اجلب للربح والمنفعة إليهم من النوع الأول.

ومنها أنه يحاول رجال منهم تحلية منتجاتهم المضرة للصحة، الهدامة للأخلاق، والقاضية على المدنية والثقافة، يحاولون تحليتها، بفضل أموالهم، في أعين الناس ويرغبونهم فيها بإنعاش عواطفهم الدنيئة ويسلبونهم نصيبا وافرا من دخلهم القليل باللعب بعقولهم، مع أن هؤلاء الدهماء لا يكاد دخلهم يكفي ليمسكوا به رمقهم ورمق أهلهم.

وأضر هذه الطرق وأشدها خطرا أنهم يغبرون على حقوق الشعوب المستضعفة لأجل مصالحهم التجارية والمالي، ويقسمون العالم على دوائر للنفوذ والسلطة ويتقدم كبار المتمولين في كل أمة يتخذون شعوبهم آلة لقضاء مآربهم وأغراضهم المتطرفة المتزايدة، ويلقونهم في تناحر مستمر لا تكاد تنحل عقدته في ميدان الحرب ولا في مؤتمرات الصلح.

فهل ترى أنه بهذه الطرق تتم الخدمة للمصلحة الجماعية بنفسها أن ترك الأفراد وشأنهم يعملون لمصالحهم الذاتية كيفما يشاؤون؟ كلا، بل أنهم اثبتوا بأعمالهم أن الأثرة غير المقيدة قلما تكون عادلة، ولاسيما إذا ارتكزت في يدها القوة الاقتصادية والسياسية وكانت هي الواضعة للقانون؛ في مثل تلك الظروف لا تتبدل ظروفهم في الغالب في خدمة المصلحة الجماعية، بل بالعكس تصرف في طرق تؤثر المصلحة الفردية على المصلحة الجماعية، ولا تبالي بها أصلا.

1 - وأدهى من كل ذلك أنهم أباحوا للأفراد وجعلوا من حقهم المشروع أن يكنزوا المال ويعطوه الناس بالربا ومما شك فيه أن الربا ما زال، منذ قديم الزمان، موجودا في أكثر مجتمعات العالم باعتباره سيئة بغيضة احتملتها قوانين العالم على كره منها في أكثر الأحيان. ولكن الذي امتاز به مفكروا طبقة البورجوازيين في الجاهلية الغربية الجديدة، بعد الجاهلية العربية القديمة، أنهم جعلوا الربا هو الصورة المشروعة الوحيدة للتجارة، والبناء الصحيح الوحيد للنظام المالي كله، ووضعوا قوانين البلاد على طرق جعلتها سندا وعونا لمصلحة المرابي دون مصلحة المدين، فأصبح ارفه الناس وأسعدهم في المجتمع من جمع المال وكنزه بطريقة من طرق أو حيلة من الحيل. أما أصحاب المواهب الفكرية، والقائمون بالعمل، وواضعو المشروعات التجارية ومنظموها، وميسرو التجارة في كل مرحلة من مراحلها والقائمون بجميع الخدمات المتعلقة بإنتاج الأدوات الاستهلاكية وتهيئتها، فأصبحوا جميعا لا يقاوم لهم وزن إزاء ذلك الفرد الذي يقرض ماله للتجارة ثم يجلس في بيته وادعا مطمئنا. فهؤلاء كلهم ليست لهم أرباح مضمونة ولا معينة. وأما هذه الذي يعطي ماله بالربا فمنفعته معينة ومضمونة. وهم كذلك لا يزالون يخافون على أموالهم أنواعا من الخسارة وأما هو فلا يخشى شيئا من ذلك، فالريح له مضمون على كل حال. وهم مضطرون، بطبيعة الحال، إلى رعاية تجارتهم والتفكير في مصيرها وما يؤول إليه أمرها من ربح أو خسارة، وأما هو فليس يشغله شيء من هذا ولا يهمه إلا رباه: فإن وجد السوق نافقة قدم أمواله فيها إلى أن يظهر له أن فرص الربح على وشك الانتهاء، وان وجد السوق كاسدة امسك وأسرع في استرداد ما يكون قد استغل فيها من رأس ماله إلى أن تنتاب الدنيا كلها نوبة شديدة من الكساد والبوار. فكل قد يواجه الخسران والضيق والخطر في كل حال، أما هو فغاية ما يصيبه في ماله إنما هو كثرة أو قلة في المنفعة. وهو لا يستعد التجار والصناع وملاك الأراضي فقط، بل يوقع الحكومات في إشراكه أيضا، فتراها تنشئ بأمواله الشوارع وسكك الحديد والنزع وما إليها من المشاريع الأخرى في البلاد، ولا تنفك تجبي الضرائب في سبيل الوفاء بدينها والربا المترتب عليه من كل واحد من أهالي البلاد أعواما طويلة قد تتعدى إلى القرون. والعجيب أنه أن تعرضت الأمة لحرب من الحروب لا تبالي يمن قتل أو جرح أو نكب في في بيته أو أصيب في أبيه أو ابنه أو اللاتي أصبن في أزواجهن من النساء، فغن هؤلاء جميعا قد تتخلى عن الوفاء بحقهم خزانة الدولة بسهولة، أما الذين اقرضوا الدولة من أبناء الأمة فلا تزال الخزانة تؤدي إليهم رباهم إلى مئات السنين، وقد يضطر أولئك الذين كانوا قد ضحوا بأنفسهم في تلك الحرب إلى الاكتئاب مع غيرهم لأداء هذا الربا. هكذا يظلم هذا النظام المالي المبني على الربا العاملين الحقيقيين المنتجين للثروة من كل جهة ومن كل وجهة ظلما شاملا؛ حيث قد فوض أزمة الاقتصاد الاجتماعي كله إلى طائفة من المتمولين والرأسماليين المستأثرين الذين لا تهمهم سعادة المجتمع ولا فلاحه ولا يسدون إليه نوعا من الخدمة. لكنهم لما كان في

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥١٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥١٣