تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 16

واحد. وليس في احد من هؤلاء الألوف من ملتمسي الرزق القدرة على أن يرغم هذا الرجل الواحد المستبد على إجابة شروطه. فمن اجل ذلك كان كلما نمت وانتشرت الرأسمالية في عصر الانقلاب الصناعي هذا، عم في المجتمع الفقر والضيق والعسرة على ما كان فيه من البطالة. والذين قصدوا مراكز الصناعة والتجارة الكبيرة واجتمعوا فيها ابتغاء للكسب والأجرة والمشاهرة وجدوا السبل ضيقة في وجوههم واضطروا أن يرضوا بالعمل المرهق ساعات طوالا باجر زهيد. واخذوا يعملون في المعمل والمصانع كالأنعام، ويقضون أيام حياتهم في بيوت مظلمة ضيقة تشبه مرابض الماشية؛ فساءت صحتهم، وانحطت عقلياتهم، واضمحلت أخلاقهم، وقد تركت فيهم يد الأثرة تأثيرا فاحشا حتى زالت المواساة والمودة من قلوب الآباء والأبناء والأخوان، وثقل الأولاد على الآباء والنساء على الرجال، حتى ما بقيت ناحية من نواحي الحياة سليمة من الآثار السيئة لهذا الاقتصاد الحر الخاطئ المتطرف.

1 - زد على ذلك أن هؤلاء البورجوازيين الذين كانوا دعاة على الجمهورية والتسامح والحرية، والذين جاهدوا جهادا طويلا وجادلوا جدالا عنيفا في سبيل نيل حق التصويت لأنفسهم بإزاء ملاك الأراضي، لم يرضوا أن ينال حق التصويت أولئك الملايين من العامة الذين صاروا هم أولياء رزقهم ومالكي ناصية معاشهم. ثم أن هؤلاء كانوا يرون لأنفسهم حقا في أن يتحزبوا ويؤلفوا المنظمات لأنفسهم ويحددوا باتفاقهم أسعار البضائع ومشاهرات العمال، بل كان هؤلاء البورجوازيون مصرهم على أن من حقهم أن يعطلوا ألوفا من العمال دفعة واحدة بان يغلقوا دونهم أبواب مصانعهم إذا شاءوا ويضطروهم بإجاعتهم على أن يرضوا بالعمل في مصانعهم بالأجور القليلة والمشاهرات الزهيدة. ولكنهم ما كانوا ليسلموا للعمال بحقهم في الإضراب عن العمل والمطالبة برفع الأجور والمشاهرات. وكذلك كان هؤلاء البورجوازيون لا يرون بأسا في أن يعزلوا ويعطلوا عن العمل رجلا اشتغل في معملهم أو متجرهم وما زال في خدمتهم حتى أدركه من الهرم أو المرض ما لم يعد معه قادرا على العمل؛ ولكن صراخ هذا العاجز الهرم المبعد عن العمل: أني قد أفنيت شبابي وقوتي في ترقية تجارتك أو صناعتك، فمن لي الآن آوي إليه واستجديه ما يقوم بأود حياتي؟! فما هذا الصراخ في سماع رجل من البورجوازيين إلا كصيحة في الصحراء أو نفحة في الرماد. فأنت ترى أن البورجوازيين نسوا همنا حجتهم التي كانوا يستدلون بها على أن المصلحة الفردية هي الدافع الصحيح الوحيد إلى العمل. نعم! أنهم لو يزالوا يذكرون، أنه أن كانت لهم فرص المنفعة واسعة غير محدودة جاؤوا بالعمل الكثير وتمت على أيديهم الخدمة للسعادة والرفاهية الاجتماعية بنفسها، ولكنهم نسوا، عن عمالهم والمشغلين في مصانعهم، أنه من كانت منفعته ضيقة، لا محدودة فحسب، وكان حاله مفعما باليأس ومستقبله مظلما، فما له أن يرغب في عمله ويشتغل به عن طيب خاطر ويجهد فيه نفسه وقوته.

2 - وعلى كل ذلك فقد تنكب هؤلاء طرق التجارة والصناعة الفطرية المتزنة، واخترعوا لمصلحتهم الذاتية طرقا تخالف المصلحة الجماعية وتضادها في صميمها، وترتفع بها الأسعار ارتفاعا متصنعا في السوق، ويقف بها إنتاج الثروة وبيب البطء في سير الرقي.

فمن هذه الطرق أنهم يشترون بقوة ترائهم أدوات الحاجة والبضائع الاستهلاكية، ويدخرونها عندهم ادخارا فاحشا حتى تكاد تنعدم من السوق فيكثر طلبها طبعا، وهذا يمكنهم من أن يرفعوا الأسعار في السوق على وجه غير طبيعي.

ومنها أنه يتوسط، بين منتجي البضائع ومستهلكيها الحقيقيين، مئات من الناس، يبايعونها فيما بين واحدا بعد واحد معتمدين على أموالهم المدخرة في المصارف وما يملكون من وسائل المواصلة السريعة كالهاتف واللاسلكي، حتى ترتفع بهذه العملية أثمانها بما ينال كل واحد منهم عليها من المنافع واحدا بعد آخر، من غير أن يقوموا بخدمة في إنتاج هذه البضائع أو إصلاح شأنها حتى يكون لهم استحقاق مشروع في نصيب من المنافع.

ومنها أنهم يحرقون البضائع المنتجة ويقذفونها في البحر مخافة أن تصل منها إلى السوق كمية كبيرة فتصير سببا في نزول أسعارها.

ومنها أنهم ينتجون بفضل أموالهم الوافرة وثرواتهم المنتجة شيئا من أنواع الكماليات للترف والتنعم، ثم يرغبون الناس فيه وينشئون له الطلب فيهم بفضل الدعايات والإعلانات وتوزيعه فيهم مجانا إلى غير ذلك من الحيل المتنوعة، ويجعلونه من حاجات أولئك الفقراء والأوساط من الناس الذين لا يكادون يقدرون على القيام حتى بضرورات

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥١٢