تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 18

أيديهم روح الشؤون الاقتصادية كلها وهو رأس المال، وقد أعطاهم القانون الحق في جمعه واكتنازه والمراباة فيه، لم يكونوا المستغلين الرئيسيين للثروة الناشئة من جهود المجتمع العامة فحسب، بل أصبحوا قادرين أيضا على أن يستخدموا المجتمع كله في مصالحهم الشخصية ويلعبوا بمقادير الدول والشعوب.

1 - أن المجتمع الجديد الذي تكون على أسس الرأسمالية الجديدة هذه كان خلوا من المواساة والتعاون والتراحم والتراؤف وما إليها من العواطف الإنسانية الشريفة، وزاخرا باخس الصفات؛ فلا تلاشى منه حق الأخ على أخيه في التكافل والتساند. ولقد كان صاحب اختراع كل آلة جديدة فيه يعطل مئات وألوفا من العمال دفعة واحدة في جانب، وبالجانب الآخر تخلت الحكومة والمصنع والأغنياء والمتمولون عن العناية بكفالة العاطلين أو العجزة ممن لم يعدوا قادرين على العمل. بل لم يقف الأمر عند هذا الحد فحسب، بل قد أنشأ هذا النظام الجديد في الأفراد أخلاقا من الأثرة والغش لم يعد بعدها من واجب احد أن يقبل لأحد عثارا. وإذا كلن هذا النظام قد فكر في شيء من العلاج للنكبات أو الأمراض وما إلى ذلك من حالات الطوارئ الأخرى، فغنما فكر فيما يتفق مع صالح أولئك المتمولين. وأما الذين لا كسب لهم وغنما يكسبون ما يمسكون به رمق حياتهم، فمن أين يجدون المعونة لأنفسهم في النوازل والطوارئ؟ .. هل هذا سؤال لا يجيب عليه النظام الرأسمالي الجديد إلا بان يذهب الرجل من هؤلاء المنكوبين إلى أحد المتولين ويستقرضه ما يمكن استقراضه على أسعار فاحشة من الربا بعد ما يقدم إليه ما يملكه من الملابس والأواني وحلي نسائه رهنا لهذا الدين. فغن لم يستطع أن يؤدي إليه دينه مع الربا الفاحش، استقرضه مرة أخرى على أسعار باهظة من الربا ليؤدي ما كان عليه من أثقال الربا السابقة.

2 - من الظاهر أنه إذا كان في المجتمع مئات الألوف من العاطلين وملايين ممن لا يكسبون إلا قليلا لا يمكنهم من شراء البضائع التي يرون الدكاكين والمتاجر مكتظة بها الأسواق على حاجتهم الشديدة إليها، فليس للصناعة ولا للتجارة مجال للازدهار. ومن هنا نرى أنهن وان كان في الدنيا من وسائل الارتقاء ما لا يأتي تحت العد والحصر، وفيها ملايين من القادرين على العمل وهم في حاجة إلى تلك الوسائل، ومع ذلك فغن البضائع التي تنتجها مصانع الدنيا، وإن كانت أقل مما هي قادرة على إنتاجه، لا تزال الأسواق غاصة بها لأن الناس ليس عندهم من الأموال ما يمكنهم من شرائها. وكذلك يتعطل ألوف العمال لان البضائع التي تنتج في المصانع لا تستهلك في الأسواق على كونها محدودة، فلا تكاد تعود بمنفعة على أصحاب المصانع، فضلا عن أن يتجرأ أحد منهم على بذل المال في ترقية الوسائل الأخرى.

فهذه الصورة تستأصل استدلال الرجال البورجوازيين، الذي جاؤوا به تأييدا لدعواهم بان سعي الأفراد لمنافعهم الشخصية في الاقتصاد الحر لا يزال بنفسه يهيئ الأسباب لرقي الوسائل والذرائع وزيادة الإنتاج، فغنه قد أثبتت التجارب أنهم قد انشأوا العقبات والعراقيل في سبيل منفعتهم أنفسهم، فضلا عن الرقي والزيادة في الإنتاج.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥١٤