دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 15
عدم تدخل الحكومة-قولا وفعلا- وتجاوز هذا الأمر حدوده المعقولة كل التجاوز، حتى جاء بما جاء به من النتائج السيئة والعواقب الموبقة. فإنه إذا بدأ الأفراد الأقوياء يتآمرون في اجتماعهم على الضعفاء الكثيرين ويستغلون ضعفهم استغلالا فاحشا، وظلت الحكومة ساكتة واجمة، بل محافظة على مصلحة هؤلاء الأفراد الأقوياء، فلا بد أن يفضي الأمر إلى الاضطراب والفوضى. ومن المعاوم أن الاضطراب إذا ظهر، لا يتقيد لظهوره بالطرق المستقيمة المشروعة.
2 - ولقد كانت هذه المغالات في مبادئ الاقتصاد الحر غلطة عظيمة في عصر الانقلاب الصناعي خاصة، لان الانقلاب قد جاء بتغيير أساسي في طريق الإنتاج، ذلك أن الأعمال التي كانت القوى الإنسانية والحيوانية تقوم بها من قبل، أصبحت تقوم بها الطاقة الآلية، وكان من نتيجة ذلك أن أصبح عشرة رجال ينجزون من العمل ما كان ينجزه الوف منهم من قبل؛ فمن صميم طبيعة هذا الطريق للإنتاج انه يشغل قليلا من الناس ويعطل منهم العدد العديد. في مثل هذا الطريق كانت الدعوة المطلقة إلى الملكية الفردية وحرية السعي والمطالبة بعدم تدخل الحكومة في سعي الأفراد مبنية، من أساسها، على الخطأ الفاحش. كيف يمكن أن يباح لفرد أو طائفة من الأفراد أن ينشئوا معملا كبيرا لإنتاج نوع خاص من البضائع لمجرد أن بأيديهم من الوسائل والثراء ما يقدرون به على إنشائه، ثم يتركوا وشأنهم لا يأبهون، في قليل ولا كثير، لما قد يعود به عملهم هذا من التأثيرات السيئة في المعيشة الوف من أهالي البلاد ممن كانوا ينتجون ذل النوع الخاص من البضاعة نفسها في بيوتهم ومتاجرهم ومعاملهم اليدوية الصغيرة؟ وليس معنى ذلك انه ما كان ينبغي أن تسخر طاقة الآلة في صناعة المنتجات والأدوات أصلا، إنما المراد أنه ما كان ينبغي أن يؤذن باستعمال هذه القوة غذنا مشاعا عاما، وكان على الحكومة، منذ أول الأمر، أن تفكر في تهيئة الأسباب-في الوقت نفسه- لمعاش أولئك الذين جاءت هذه الصناعة الجديدة معطلة لهم ولشؤون معاشهم.
فلما لم يكن الأمر كذلك، نشأت مسألة البطالة كمسألة دائمة في المجتمع الغربي على نحو لم يعهده التاريخ البشري من قبل، وذلك بسبب طريق الإنتاج الميكانيكي، ومن المعلوم أن البطالة ليست مسألة واحدة بل هي مورثة لكثير من المسائل، وهي الموجب الأكبر والسبب الأعظم لكثير من معضلات الحياة الإنسانية المادية والروحية والخلقية والمدنية. ومن همنا ينشأ السؤال التالي: هل لفرد أو طائفة من الأفراد أن يتصرفوا في ملكيتهم على وجه تتولد معه مثل هذه المعضلات العديدة في الحياة الاجتماعية؟ وكيف يسوغ لرجل قد أوتي حظا من العقل أن يدعي لمثل هذا التصرف الظالم انه من أثرة الأفراد المتنورة التي لا تزال بنفسها تسدي المعروف على المصلحة الجماعية وتخدمها خدمة دائمة؟ أما الرأي في مثل هذه التصرفات الفردية بأنه على الحكومة القومية أن تأذن بها إذنا عاما ثم تسكنت عليها وتغمض عينيها عن الآثار التي تصيب حياة الأمة كلها من جراء أعمالا شرذمة من الناس، فهو رأى لا يقوم على أساس معقول.
3 - فلما عطل طريق الإنتاج هذا ألوفا، بل مئات الوف، من الناس واضطروا جميعا أن يخرجوا من مدنهم وقراهم وحاراثهم وأزقتهم ويقصدوا هؤلاء التجار وأصحاب المعامل والمصانع يلتمسون منهم لأنفسهم أزقتهم بطريق الجعالة أو المشاهرة، وكانت النتيجة الحتمية لذلك أن اضطرهم الجوع أن يشتغلوا عند أولئك الرأسماليين لأجرة قليلة عرضوها عليهم. ثم أنهم ما وجدوا وجه المعاش كلهم، بل ظل عدد كبير من الرجال القادرين على العمل من غير عمل دائم. والذين أسعدهم الحظ ووجدوا لأنفسهم الشغل ما كانوا ليساوموا الرأسمالي ليقبل معهم بأحسن الشروط، لأنهم هم الذين جاؤوا إليه يلتمسون منه الرزق، وأنهم لو لم يقبلوا ما عرض عليهم الرأسمالي من الشروط لما وجدوا شيئا يمسكون به أرما فهم، ولو أنهم أصروا على شروطهم يتهافتون على أبوابه ملتمسين منه العمل يتنافسون في الوصول إليه على شروطه. وهكذا نبث الخطأ فيما جاءت به الطبقة (البورجوازية) من استدلال في تأييد مبدئهم القائل بأن الأجور العادلة المتزنة تستقيم بنفسها في المنافسة العامة بما يكون بين الأجير والمستأجر من التفاعل والأخذ والرد؛ لان المنافسة في هذه المعاملة كان يفقدها شرط التساوي بين المتنافسين. بل في بقي للمنافسة مجال في هذه الصورة من المعاملة. وإنما أصبحت صورة المعاملة أن استولى رجل واحد على رزق الوف من عباد الله واحتجزه لنفسه من دونهم، ولما جاؤوا إليه يتضورون من الجوع، أبى أن يعطي العمل إلا واحدا من عشرة أو عشرين منهم. فالظاهر في مثل هذه الأحوال أن القوة -قوة المساومة والبث في الأمر- تجمعت كلها بيد رجل