تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 14

ما يقدرون على اقتنائه من الثروة، مما يكفل من المنتجات والمصنوعات أحسنها وأكثرها. وإذا حصلت المنافسة العامة بين التجار والصناع المهيئين للمواد الخام في السوق الحرة اعتدلت الأسعار واتزنت الأثمان بنفسها، وارتفع مستوى المنتجات وتبين ما يحتاج إليه المجتمع من الأدوات؛ فإذن ليس من عمل الدولة في كل حال أن تتدخل في العمل الفطري لنمو الثروة وتخل توازنه؛ وإنما من عملها أن تولد أحوالا تحافظ على الحرية الفردية محتفظة شديدة، وعليها أن تحقق الأمن وتقيم النظام والإدارة ونحافظ على حقوق الملكية وتفي بالعهد بقوة القانون وتحمي البلاد وما فيها من التجارات والصناعات من الحملات والأخطار الخارجية. ومن واجب الدولة أن تكون محققة للعدل في البلاد مشرفة على أحوالها ساهرة على شؤونها، وليس من واجبات أن تكون هي التاجر أو الصانع أو مالك الأرض، أو إلا تدع التجار والصناع وملاك الأراضي، يدخلها في شؤونهم، يقومون بأعمالهم كما يشاؤون.

علل الفساد وأسبابه

تلك هي المبادئ التي عرضت، وابدئ وأعيد في ذكرها عند نشوء النظام الرأسمالي الجديد. وإذا كان فيها جانب من الصدق مع نوع من المبالغة، فقد جعلها أهلها مسلما بها في العالم عامة، والحقيقة أن هذه المبادئ ما كان فيها شيء جديد، وإنما هي مما لم يزل يجري عليه نظام الاقتصاد البشري منذ أول أمره. وان كان فيها شيء جديد فإنما هو تلك الشدة المتطرفة المبالغ فيها التي اختارتها طبقة البورجوازيين في تطبيق بعض المبادئ على اقتصاد عهد الانقلاب الصناعي. زد على ذلك أنهم يشيدوا نظامهم كله على المبادئ الفطرية التي مر ذكرها آنفا بل مزجوها بطائفة من المبادئ الخاطئة. ثم أنهم ضربوا صفحا عن مبادئ أخرى لها أهمية بالغة في النظام الاقتصادي الفطري كأهمية ما ذكر من مبادئ الاقتصاد الحر. وكذلك نفوا كثيرا من المبادئ التي عرضوها بأنفسهم لما انطوت عليه نفوسهم من الأثرة وحب الذات. فهذه الأمور الأربعة هي التي سببت تلك المفاسد التي ما زالت تتولد في النظام الرأسمالي إلى أن تفاقم أمرها واستفحل شرها حتى قامت الدنيا في وجهها ثائرة هائجة.

ففي ما يلي نستعرض هذه الأسباب على وجه الانجاز:

1 - إن القوانين الفطرية التي ما زال هؤلاء القوم يستشهدون بها في كل مرة تأييدا للاقتصاد الحر، لا تصلح على حد تلك المبالغة التي جاؤوا بها، لا في أقوالهم فحسب بل في أعمالهم أيضا. وقد صدق اللورد كينز ( Keyns) عندما قال «إن الدنيا لا تحكمها القوانين الخلقية والفطرية بقوة تحصل بقسرها الموافقة بين مصلحة الأفراد الذاتية ومصلحة المجتمع الجماعية بنفسها. وإن استنبط احد من مبادئ الاقتصاد أن الأثرة المتنورة دائما تسعة إلى الفلاح والإسعاد الاجتماعي فلا يصح هذا الاستنباط كما لا يصح القول بان الأثرة تكون دائما متنورة. فإن الذي نراه في أكثر الأحيان أن الذين يبذلون مساعيهم الذاتية يكونون بالغين في الضعف والسفاهة حتى أنهم لا يكادون يقضون أغراضهم فضلا عن أن تتم على أيديهم الخدمة للمصلحة الجماعية خدمة لازمة أبدية. ولا يقتصر الأمر على أنه لم تكن هذه الأقوال صحيحة من جهة العقل، بل الذي شهدت به أعمال الرأسماليين من طبقة البورجوازية انه لم تكن أثرتهم متنورة. فإنهم قد اجتمعوا على مصالح الجمهور المستهلكين والإجراء العاملين والحكومة المحققة للأمن والرفاهية، وتآمروا على أن يحتجنوا لأنفسهم كل ما يأتي به الانقلاب الصناعي من المنافع والأرباح، فجاءت مؤامرتهم هذه مدحضة لأكبر دليل كانوا يقدمونه تأييدا للاقتصاد الحر وهو أن الاتزان في المنفعة بين الجميع يقوم بنفسه بتفاعلها الفطري فيما بينها. ومن أجل ذلك اضطر الاقتصادي الشهير آدم سميت ( Adam Smith)، وهو اكبر محام للاقتصاد الحر، إلى القول:

«قلما يجمع التجار وأهل الحرف والصناعات مجلس من المجالس، إلا انتهى بمؤامرة منهم على مصلحة الجمهور، أو قرار لرفع أسعار البضائع، حتى لا تكاد تخلو المناسبات التي يتسنى لهم الاجتماع فيها من اقتراف مثل هذه الجريمة الشنيعة».

وكذلك كانت دعواهم في الملكية الشخصية وحرية السعي بأن الأفراد متمتعون تحت هذه العناوين بحقوق لا ينبغي أن يضرب عليها حد من الحدود، مبالغ فيها إلى حد بعيد. فغنه إذا تصرف الرجل في ملكيته على وجه يمس معيشة الوف من البشر، أو اخترق لمنفعته الذاتية طريقا يأتي على المجتمع بضرر في صحتهم أو أخلاقهم أو عافيتهم وراحتهم، فما الموجب بأن يسمح له بكل ذلك، ولم لا يضرب عليه القانون حدودا تمنع استمتاعه بحقوقه من أن ينقلب ضررا على المصلحة الجماعية؟ أبدأوا واعدوا في مبدأ

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥١٠