دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 13
الطبيعة نفسها، فإنه إذا كان في السوق الحرة عدد كثير من الذين ينتجون شيئا واحدا وعدد من التجار والمشترين كذلك، فلا بد أن يتعين لقيمة السلع معيار متناسب لأجل المنافسة فيما بينهم، فلا تتجاوز منفعة الأفراد حدودها المعروفة ولا تقل عنها إلا في أحوال شاذة مؤقتة وكذلك لا يزال الأجزاء والمستأجرون يقيمون لجعالتهم ومشاهراتهم معيارا متزنا بأنفسهم بفضل المنافسة بينهم بشرط أن تكون هذه المنافسة بينهم حرة عامة غير مقيدة بنوع من الاحتكار.
5 - الفرق بين حقوق الأجير والمستأجر:
وفي النظام الرأسمالي ينقسم رجال كل مؤسسة تجارية أو صناعية فرقتين:
أ) الملاك الذين ينشئون التجارة أو الصناعة ويديرونها ويتحملون على عواتقهم الإدارة في كل حال: خسارة كانت أو منفعة.
ب) والإجراء أو المستخدمين الذين لا علاقة لهم بالمنفعة أو الخسارة في قليل ولا كثير. وغنما يصرفون أوقاتهم وجهودهم ومواهبهم في هذه التجارة أو الصناعة وينالون في مقابلها جعالة معينة. فكثيرا ما تنهال على التجارة والصناعة الخسارة على حين يظل الأجير ينال أجرته المعينة. وربما بارت التجارة وأفلس الملاك؛ وأما الأجير فغاية ما يحدث له أن يغادر هذا المعمل أو المتجر ويشتغل في غيره. فيقول المدافعون عن النظام الرأسمالي: أن هذه الصورة للمعاملة تقضي بنفسها إن كل ما كان من ربح في التجارة أو الصناعة- بموجب العدل والنصفة- إنما هو حق لمن يتحمل خسارتها ويجعل ماله ونفسه عرضة للأخطار. أما الأجير، فلا ريب أنه يستحق جعالته المشروعة التي تتعين في السوق بالمعروف على حسب نوع عمله وكميته، فليس لهذه الجعالة أن تزيد بحجة أن التجارة-أو الصناعة- رابحة سائرة بالربح، ولا أن تنقص بحجة أن التجارة-أو الصناعة- قد منيت بالخسارة. أن عمل الأجير يجعله مستحقا لأجرته المتعينة في كل حال، وهذه الأجر والجعلات لا تنقص ولا تزيد إلا حسب القانون الفطري الذي به تنخفض أو ترتفع قيمة سائر السلع والبضائع في السوق. فغن قل المستأجرون وكثر الراغبون في العمل فلا بد أن تنقص الأجرة بنفسها. وان قل الإجراء وكثر الراغبون في الاستئجار فلا بد أن ترتفع الأجرة، ولا بد أن يعون على الأجير الماهر النشيط عمله باجرة وافرة، ولا يزال صاحب العمل أو المتجر يستميله إلى نفسه بالأنعام عليه وترقيته. وكذلك يجد الأجير ويكد في الإجادة في عمله وترقيته على حسب ما ينال من الأجرة؛ فيكون مما يوده الملاك والمستأجرون أن ينفقوا قليلا ويربحوا كثيرا، فيميلون-طبعا- على خفض الأجور. وبالجانب الآخر يكون مما يوده الأجراء والعمال أن يسدوا حاجاتهم بأكثر رفاه ورقاء ويرتفع مستوى معيشتهم شيئا فشيئا، فهم دائما متطلعون إلى لاستكثار من أجورهم، ومن الطبيعي أن بهذا التضاد نوع من المشاكسة والمحارة بين الأجراء والمستأجرون: إلا أن الأجر لا يزال قدرها يتعين بسائق الفطرة ويرضى به كل من الفريقين بالتفاعل بينهما، كما هو الأمر في كل شان من شؤون الدنيا.
6 - التعويل على الأسباب الفطرية للارتقاء:
يقول المدافعون عن النظام الرأسمالي: انه إذا كان الربح في التجارة كله يتوقف على قلة الإنفاق وكثرة الإنتاج، تظل مصلحة التاجر الذاتية نفسها تضطره إلى أن يختار للاستنكار في إنتاجه أحداث الطرق العلمية وأحسنها، وان يتعهد آلاته وماكيناته بالإصلاح والتنظيف وان يقتني من المواد الخام الكمية الوافية بالثمن القليل، وان يظل يعمل الفكر والروية في ترقية طرق تجارته وصناعته. فهكذا يظل يتحقق كل ذلك ويتم بطبيعة الاقتصاد الحر وما يكتنفه من الملابسات المخصوصة من غير تدخل خارجي أو حيلة منصنعة، ولا تزال القوانين الفطرية تستخدم جهود الأفراد ومساعي الطوائف الفردية وتنتفع منها في الترقية والرفاهية الجماعية، مما لا يمكن أن يتم بتدبير اجتماعي ( Social Planning) على الوجه المراد، فإن هذا تدبير فطري لا ينفك قائما بعمله من حيث لا يشعر به حد.
7 - عدم تدخل الدولة:
يقول المدافعون عن هذا النظام: أنه لا يمكن أن يتم العمل على الفلاح والرفاه الاجتماعي، على أحسن وجه حسب المبادئ المذكورة، إلا إذا كان الأفراد أحرارا في أعمالهم من غير ضغط ولا تقييد، وقد وضعت الفطرة في القوانين الاقتصادية تلاؤما بحيث أنها إذا عملت-جميعا- متحدة متعاونة أنتجت ما فيه خير جميع الناس، أفرادا وجماعات، مع انه لا يعمل ولا يسعى كل فرد إلا لمنفعته الذاتية، كما قد تقدم بيان ذلك. ومن الطبيعي أن الأفراد كلما تراءى لهم جراء أعمالهم وجهودهم في صورة المنافع الشاملة غير المحدودة، بذلوا كل ما أوتوا من قواهم ومواهبهم ليحرزوا أكثر