تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع11 /مايو 1958 .................... ص 11

جميعا رعية لملاك الأراضي هؤلاء. ثم كانت هذه الرعية أيضا طبقات عديدة بين الرفيع والوضيع، فهكذا تأصل في المجتمع التقسيم بين الطبقات، ثم قام على أساس ذلك التقسيم التمايز والتفارق في المراتب والاعتبارات والحقوق، فأصبح مثل المجتمع في نظام الإقطاعية كمثل المصعد: الجالس على كل سلم من سلالمه اله لمن تحته وعبد لمن فوقه، وعلى رأسهم جميعا أسرة الوالي، وتحت أقدامهم عامة المساكين الذين ما يقدرون على أن يسوقوا أحد بعصا الظلم والقهر.

2 - والكنيسة المسيحية- التي كانت تنطق باسم الالاله وتخاطب الناس على لسانه من غير أن يكون عندها، في حقيقة الأمر، قانون الهي أو مبادئ الإرشاد محكمة-كانت حديثة العهد في أوروبا في ذلك الزمن، فمدت يد الموالاة والمساعدة إلى النظام الإقطاعي الناشئ وظلت تزود، بمستند ديني، جميع المنظمات والحقوق والامتيازات والقيود التقليدية التي نشأت مع ذلك النظام، وما فتئت تتغلغل في المجتمع. فكل فكرة، إذا قدم عليها العهد، أصبحت عقيدة للكنيسة، وأصبح من الكفر والضلال التجزؤ على التفكير في شيء يخالفها وكذلك أصبحت كل عادة إذا تأصلت في المجتمع مرة، شريعة لا معنى للانحراف عنها إلا الانحراف عن الله ودينه. وكل ما نشأ من الأدب والفلسفة أو نظم الاجتماع والسياسة والاقتصاد بشكل خاص في نظام الإقطاعية، قضت الكنيسة أن الله هو الذي وضعه على ذلك الشكل. ولأجل ذلك أصبحت كل محاولة لتغييره لا تعتبر جريمة من الجرائم فحسب، بل محظورا دينيا أيضا.

3 - ولما لم تكن هناك إدارة أو سلطة مركزية تعني بإنشاء الطرق والشوارع الكبيرة وتتعهدها بالإصلاح وإقامة الأمن والراحة لأبناء السبيل، انقطع الناس عن الأسفار الطويلة والتجارة الواسعة، وانكمشت التجارات والصناعات وكذلك العقليات في الأجزاء الجغرافية الصغيرة التي رسم حدودها الإقطاعيون وسلطتهم.

4 - انفردت كل طائفة من الناس بفرع من التجارة والصناعة. فما كان أحد ليقدر أن يخرج من مهنة طائفته التي ينتمي إليها ولا أن يدخل أحد غيره في مهنتها. بل أبت كل طائفة إلا أن تحد مهنتها لنفسها وتخصها بأفرادها دون غيرهم. فكانت البضائع تنتج للحاجات المحلية المؤقتة وتستهلك في الأقطار المجاورة وكثيرا ما كانت تتبادل بالغلات والحبوب. فهذه الأسباب المختلفة أوصدت في وجه الناس أبواب الرقي والاتساع والاختراع والإصلاح لفني وجمع الأموال.

فهذه المفاسد التي تولدت مع سقوط الإمبراطورية الرومانية وانهيار صرحها، لم تتمكن الإمبراطورية الرومانية المقدسة من إزالتها. فمهما يكن البابا والقيصر قد نجحا في تزويد البلاد الأوربية من جديد بآصرة الوحدة من الوجهة الروحانية والمعنوية، ومن الوجهة السياسية أيضا إلى حد ما، فإنه لم يتغير ما اختارته المعيشة والمدنية والاقتصاد من الأشكال لنفسها في نظام الإقطاعية بل رسخ على أسس متينة حتى أصبح الناس يفكرون في صورة غير هذه الصورة لنظام حياتهم.

*

البعث ( Renaissance)

ليس من غرضنا، همنا، أن نبحث في الأسباب والعوامل التي أفضت إلى تفكك عرا هذا الجمود، في أوروبا، وقيام تلك الحركة الشاملة التي تعرف ((بالبعث Renaissance)) ولا كيف تم ذلك، إلا انه لابد من الإشارة إليه ولو بكلمة عابرة. وجملة القول أن استيلاء المسلمين على اسبانيا وصقلية في جانب، والحروب الصليبية المتتابعة في الجانب الآخر، هيآ لأهل الغرب فرص الاتصال بالأمم التي كانت رافعة بيدها راية الحضارة والثقافة في ذلك الزمان. ولا جرم أن ما كان على أعين أهل الغرب من غشاوة التعصب من جراء تأثير الكنيسة في قلوبهم، قد حال دون التفاتهم إلى معين الإسلام مباشرة، إلا أن ما تيسر لهم من الاتصال بالمسلمين ومشاهدة أحوالهم عن كتب، قد نفعهم من

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٥٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٥٣