تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع11 /مايو 1958 .................... ص 10

العوامل والمؤثرات التاريخية وراء النظام الرأسمالي

للأستاذ السيد: أبي الأعلى المودودي

تعريب الأستاذ: محمد عاصم الحداد

مما يعرف الجميع أن زمام الإمامة الفكرية والزعامة العلمية في العالم كان في الزمن القريب ولا يزال بأيدي أهل الغرب. فمن النتائج الطبيعية لذلك أن معظم مسائلنا اليوم في حقول الاجتماع والسياسة والاقتصاد، كذلك كل ما يواجهنا فيها من المعضلات والمشكلات، وليدة للأحوال والظروف التي أحاطت بالحياة الغربية وسببت فيها هذه المسائل والمشكلات. ومن التأثير الفطري، كذلك، لهذه الزعامة أن الأغلبية العظيمة من أهل الفكر والروية فينا لا يلتمسون الصواب إلا في إتباع أهل الغرب، ولا يرون الرشد لأنفسهم إلا في تلك الصور بعينها التي قدمها المفكرون في الغرب لحل هذه المسائل. فلأجل ذلك لا بد لنا، قبل كل شيء، أن ننظر فيها وراء المسائل العمرانية الحاضرة من العوامل التاريخية، وان ننظر، في الوقت نفسه، في منشأ ما يقترح ويختار اليوم مختلف الصور لحل هذه المسائل، وأن نبحث عن الأركان التي تستند عليها تلك الحلول والمقترحات؛ فإن هذا البيان التاريخي سيساعدنا في فهم المباحث التي نريد الكلام عليها بصدد موضوعنا هذا.

*

نظام الإقطاعية ( Feudal System)

لما تقوض نظام الإمبراطورية الرومانية الغربية في القرن الخامس للميلاد، انهار في أوروبا صرح الوحدة العمرانية والسياسية والاقتصادية، وانفصمت الآصرة التي كانت تربط بين مختلف الأقطار والشعوب، وتقوضت تلك الادارة التي كانت تجعل هذه الرابطة ممكنة، وان بقي في أذهان رجال الغرب-ولا شك- أثر للقانون الروماني والسلطة الرومانية العالمية وأفكار الرومان السياسية، مما لا زال له بقية حتى يومنا هذا. ولكنه لما أفلت شمس الإمبراطورية الرومانية انقسمت بلاد أوروبا قطعا صغيرة وتجزأ كل قطر جغرافي إلى أجزاء متعددة، ولم تقدر طائفة من المنتمين إلى سلالة واحدة أو الناطقين بلغة واحدة أن يؤسسوا وحدة لأنفسهم في بقعة ما من بقاع الأرض، وما زالت عملية التجزئة تعمل عملها حتى تفككت المملكة إلى أجزاء صغيرة استولى عليها وتمكن من سياستها والحكم فيها الرؤساء والإقطاعيون المحليون. وهكذا ابتدأ في أوروبا ذلك النظام الخاص للحياة الذي يصطلح عليه بـ ((نظام الإقطاعية)) Feudal System وفيما يلي نذكر الخصائص التي نشأت مع هذا النظام ثم أخذت في الرسوخ فيه فيما بعد.

1 - تقررت حيازة الأرض أساسا لغلبة الإنسان وعلو كلمته، واختصت القوة والسلطة والسيادة والشرف والحقوق الدائمة بالذين كانوا يحافظون على الأمن في ذلك الجزء، وهم الذين كانوا يتمتعون بالصلة بالإقطاعي أو الملك، وهم الذين كان يقضي أيام الحياة في كنفهم من كان لا يمت إلى طبقة ملاك الأراضي، سواء أكونوا مزارعين أم من أهل الحرف والتجارة، فكأنهم

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٥٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٥٢