تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع11 /مايو 1958 .................... ص 12

حيث ظفروا بثروة واسعة من الآراء والأفكار والطرق الراقية، وهي التي مهدت لهم أن يدخلوا دورا جديدا في حياتهم. ولقد كان ما بين القرنين الرابع عشر والسادس عشر للميلاد فترة انتقال من العصر المتوسط إلى العصر الجديد من تاريخ أوروبا، فقد انتعشت في ذلك الزمان، كل ناحية من نواحي الحياة الغربية من جراء المؤثرات التي كانت ترد إلى بلادهم من الخارج. من ذلك أنهم أخذوا يزدادون معرفة بعلوم الطبيعة والطب والهندسة والرياضة وما إليها من فروع المعارف الأخرى، وساعدهم اختراع المطابع مساعدة عظيمة في نشر الأفكار والعلوم. ومما استلزمته هذه اليقظة العلمية أن بدأت في كل شعبة من شعب الحياة سلسلة الإصلاح والانتقاد ونفخت المعرفة بالفنون الجديدة روحا جديدا في الصناعة والزراعة والتجارة وفي سائر نواحي المدنية عامة. ثم بدأت أفكار أهل الغرب وانظارهم تتسع بالاكتشافات الجغرافية الحديثة. وكذلك قامت لهم، في البلاد البعيدة الأخرى، أسواق أمكنهم أن يبعثوا إليها ويستهلكوا فيها منتجات بلادهم وموادها الخام ويشتروا منها منتجات البلاد الأخرى ومواردها الخام. فبهذه الفرص بدأت تنفق من جديد سوق التجارة وقد كانت كاسدة منذ قرون. وعلى رغم ما كان في وجوه التجارة من الصعوبات والعقبات أخذت تجارتهم تنتشر في داخل أوروبا وفي خارجها وما زالت تعمر وتتسع المدن على ملتقى الطرق التجارية الكبرى وبدأ يتدرج مركز الثروة والقوة والذكاء والثقافة والمدنية في التحول عن مجال الولايات والإقطاعات الرئيسية إلى تلك المدن الكبرى التي صارت، أو كادت، مركزا للتجارة والصناعة العلمية والأدبية الجديدة.

وهذه الحركة الجديدة كان زعماؤها ورافعوا لوائها رجالا من طبقة البورجوازية ( Bourgeois) ( أي التجار والمرابون وأهل الحرف والصناعات) الذين انتفعوا من فرص الرقي هذه وكانوا يسكنون المدن والحواضر ويختلفون إلى الخارج، أو كانوا أول المواجهين لتيار الثروة الواردة على بلادهم من الخارج على الأقل، وكان أن احدث هذا فيهم نزوعا شديدا إلى التغيير والرقي. ولكن القيود الفكرية والخلقية والدينية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي كانت قائمة في البلاد بموالاة الكنيسة للإقطاعيين ومساندتها لهم، أصبحت عقبة كأداء في سبيل نهوض هؤلاء وتقدمهم في كل جانب. ففي كل ناحية من نواحي الحياة أرادوا أن يخطوا خطوة خارج الدوائر القائمة الجامدة منذ قرون، قام في وجوههم البابوات والإقطاعيون وسدوا عليهم طريقهم. ومن هنا شجرت بين الفريقين مشاكسة شديدة ونشبث حرب شاملة في كل ميدان من ميادين الحياة الاجتماعية. ففي ميدان العلم والآداب تحدي الاستبداد العقلي الذي فرضته عليهم الكنيسة ومجدت حرية الرأي والتحقيق. وفي ميدان المدنية والسياسة والاقتصاد تحديث سلطة الإقطاعيين وجبروتهم ورفع الصوت باستنكار جميع الامتيازات والفوارق التي كانت قائمة في ظل الإقطاعية في ذلك الزمان. وما زالت هذه المحاربة والمشاكسة تنتهي شيئا فشيئا إلى انكسار النظام القديم وتقدم هذه القوى الناشئة الجديدة وعلو شأنها حتى آل الأمر في القرن السادس عشر إلى أن بدأت الإقطاعيات الصغيرة في مختلف بلاد أوروبا تنقرض وتنضم إلى الولايات القومية الكبيرة. وكذلك تقلص ظل سلطة البابا الروحية وتجردت القلوب من هولها وشرع حكام الولايات القومية اللادينيون في مصادرة أملاك الكنيسة وبدأت الشعوب المختلفة تعرض عن النظام الديني العالمي وتؤسس لنفسها كنائس قومية مستقلة كانت خاضعة للولايات القومية ولم تكن في حال من القوة تجعلها منافسة ومنازعة أو محالفة مساندة لها. فهكذا، مع انكسار غلبة الكنيسة والإقطاعيين المشتركة وتفكك قيودها، ظلت طبقة ((البورجوازية)) تتحرر مما كان النظام القديم ألقى في سبيلها من العقبات الاجتماعية والتقليدية.

*

مذهب الحرية والتجديد في العصر الوسيط

والنظريات التي أضرمت لأجلها هذه الحرب الطاحنة على الكنيسة والنظام الإقطاعي، كان على رأسها

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٥٤