من ملك- وهو ملك الأراضي الزراعية لان الصناعة كانت حرفا فردية ولم تكن قد وصلت إلى التطور الآلي على نحو ما عرف فيما بعد في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في ألمانيا- انتقل إلى رجال حكومته. وأصبح رعايا الملك السابقون وعبيده الآن زراعا ومستأجرين لهذه الأراضي.
ولكن هذا المجتمع الإقطاعي لم يبق على نحو ما وجد عليه، ويستحيل أن يبقى على ما هو عليه تبعا لضرورة مبدأ «النقيض»، فتحول إلى المجتمع الرأسمالي. إذ بتحليل وضع الإقطاع وجد أن مجتمعه ينطوي على طرفين متقابلين: أصحاب الأراضي الزراعية من كبار الملاك، والمستأجرين لهذه الأراضي. وبالصراع بين هذين الطرفين تحول احد الطرفين وهو طرف كبار الملاك في الطرف المقابل وهو طرف المستأجرين، وذلك بهروب أصحاب الإقطاع بأموالهم وتوظيفهم إياها في المصانع مع تركهم الأراضي للمستأجرين أنفسهم.
وانبثق عن مجتمع الإقطاع وضع آخر للمجتمع وهو المجتمع الرأسمالي، أي مجتمع أصحاب رؤوس الأموال الموظفة في الصناعات الكبيرة.
وإذا كان المجتمع حتى الآن انتقل من وضع إلى وضع مقابل له، فالمجتمع الرأسمالي سينقلب إلى مجتمع آخر، بناء أيضا على ضرورة مبدأ النقيض، كمبدأ عام في الوجود كله. ووضع المجتمع الذي سيتحول إليه المجتمع الرأسمالي هو المجتمع العمالي. لان المجتمع الصناعي أو الرأسمالي ينطوي أيضا على طرفين متقابلين، على القلة من أصحاب رؤوس الأموال وهم ملاك المصانع من جانب، وعلى الكثرة من أعمال الأجراء في المصانع من جانب آخر. وبالصراع بين الطرفين سيصير الأمر إلى العمال، ويصبح المجتمع مجتمعا عماليا.
ومعنى أن الأمر سيصير إلى العمال- حسب منطق استخدام «النقيض» في دائرة المجتمع- إن ملكية المال الممثل الآن في المصانع سيؤول إلى العمال، وسيصبحون هم أصحاب الصناعات!!
والفلسفة الماركسية عندما استخدمت مبدأ «النقيض» في دائرة المجتمع لم تقف عند حد أن تقول: أن المجتمع صائر حتما إلى مقابله وذاهب بالضرورة في هذا المقابل، بل تضيف إلى ذلك القول بان انتقال المجتمع من وضع إلى وضع النقيض له يصير في لانتقاله وتحوله من مرحلة إلى مرحلة بالتدريج، حتى إذا وصل الأمر إلى نقطة معينة فلابد من «انقلاب» ليتم التحول والانتقال. وذلك كالماء في تحوله إلى بخار، فانه يسير بفعل الحرارة في تحوله من مرحلة إلى أخرى، ثم دفعة واحدة ينتهي الماء، ويكون الأمر كله إلى بخار.
ولذلك لا ينتظر المذهب الماركسي أوضاع المجتمعات، وبخاصة وضع المجتمع الرأسمالي، حتى تتحول إلى المجتمع العمالي من ذاتها، بل ينادي بالانقلاب وتدخل المؤمنين بالشيوعية في تعجيل أمر هذا الانقلاب في المجتمع.
والسؤال الذي يعقب به أي باحث على استخدام الماركسية مبدأ النقيض في تبرير تحول المجتمع إلى مجتمع عمالي هو: أحقيقة أصبح العمال في المجتمع الشيوعي الآن هم ملاك الصناعات والأراضي الزراعية، كما بشرت الماركسية الجماهير بفلسفة النقيض؟
أيقف تحول المجتمع- بناء على مبدأ النقيض، وان الشيء، لا يلبث أن يصير إلى نقيضة كلما وجد على حال خاص- عند حد المجتمع العمالي؟ أم أن الحتمية والضرورة التي تراها الماركسية في مبدأ النقيض كطابع عام له تدفع الملاحظين لأحوال المجتمع إلى ترقب انبثقا مجتمع آخر عن المجتمع العمالي يكون نقيضا له، ثم عن هذا النقيض سينبثق مجتمع آخر هو نقيض له كذلك ... وهلم جرا؟
فإذا سلبت ملكية المصانع من العمال في مجتمع شيوعي وبقوا إجراء أو أشبه بالإجراء، فما بشرت به فلسفة الماركسية تحت استخدام مبدأ النقيض في صيرورة للمجتمعات يبقى في نطاق «النظر والتصور» دون «الواقع». وسنرى أنها تكافح «النظر» وتركز الإيمان ب «الواقع».
وإذا لم يترقب المجتمع الشيوعي-وهو المجتمع العمالي- زوال نفسه وفناءه، وتحوله إلى مجتمع مضاد له تماما- فانعه عندئذ إما إلا يساير منطق الفلسفة التي قام عليها والتي يستخدمها في تبرير وجوده وصيرورة وضع أي مجتمع إليه، وهي الفلسفة الماركسية، وإما انه بعد أن صار إلى الوضع الذي ارتضاه زعماء الثورة البلشفية في سنة 1917 عاد إلى