دعوة الحق، س.1، ع10 /ابريل 1958 .................... ص 44
وهكذا الشأن بالنسبة إلى اللغة الفرنسية والروسية والإيطالية.
أما لغة الحضارة في العصر الوسيط، ذلك اللسان الذي حملنا الإسلام والقومية العربية، أمانة العمل على نشره وإذاعته، فإننا لحد الآن لم نعن بتوطيد مكانته حتى بين المجتمعات التي تدين له روحيا وتؤمن بقيمته المعنوية العليا، وأعني بذلك الشعوب الإسلامية التي تنتشر في رقع قد تتقارب وقد تتناءى في مختلف أصقاع المعمور.
ومن المفارقات الغريبة التي يوحي بها السياق، قصة القرآن في هذه المجتمعات الإسلامية غير العربية، فالمسلم في سورابابا، أو لاهور، أو سمرقند، أو غيرها، قد يعكف على قراءته متخشعا قانتا ولكنه رغم ذلك لا يشكل بالنسبة إليه -اعتبارا للغة المنزل بها- إلا مجموعة من الغوامض والمستغلقات، ليس إلى فهمها وتدبر معانيها من سبيل، باستثناء علماء الدين وغيرهم من المتعربين طبعا -وهذا شأن الجماهير في البلاد العربية نفسها، ولكنه في البلاد الإسلامية الأخرى أشد خطورة وأكثر تعقيدا.
ويبدو بعد كل ما سلف مثل هذا التساؤل: هل من المستطاع رد الاعتبار الذي كانت تنعم به العربية يوم كانت لسان الحضارة في العصر الوسيط؟ هل من الممكن أن نهيئ لها من الأسباب ونصطنع من الوسائل ما تصبح به -نوعا ما- لغة عالمية؟.
إذا غضضنا الطرف عن السؤال الأول فإنه قد يكون في إمكاننا الإجابة عن الثاني بنوع من الإيجاب، على أننا رغم ذلك سنجد أنفسنا قد أبعدنا في الخيال طويلا إذا رجونا للغتنا أن تصبح في بضع سنوات منافسا خطيرا للغات الأوربية الكبرى كالإنجليزية مثلا، فقد توافرت لكل من هذه الأدوات التعبيرية الحية عوامل مختلفة للروح ليس لنا أن نفكر جيدا في إمكانية الحصول عليها، بيد أننا قد نستطيع -مع بعض التفاؤل- أن نرقى بلغتنا في مدارج (العالمية) أشواطا أبعد بكثير مما هي عليه الآن من انتشار محدود، قيد أن تكون خطواتنا إلى ذلك محكمة، وأساليبنا موضوعية ومنهجية.
وإن أول ما يقتضيه ذلك منا العمل على تبسيط العربية إلى أقصى حد يسمح به التبسيط غير المحرف، ويستتبع هذا أن يعكف الاختصاصيون المنتدبون من أبناء العروبة على وضع مناهج جديدة لتعليم العربية لغير الناطقين بها، منتهجين في ذلك إحدى الطرق الفنية الدولية كطريقة (كاسي أوطو سوير) أو غيرها، مع ما يقضيه المقام من صور التغيير والتعديل.
ثم هذه المحطات الإذاعية المنبثة في جميع أرجاء العالم العربي، فبوسعنا أن نستغلها ضمن خطة منظمة، وتوزيع للأدوار محكم، في إشاعة اللسان العربي بين مختلف الشعوب، وذلك عن طريق برامج تعليمية توجه إلى عديد من الأصقاع وبمتنوع اللغات لمن يرغب من أبناء الشعوب الأخرى في التعرف على العربية، وبالتالي في معرفة آدابها وثقافتها كما هو الشأن في الإذاعة البريطانية بالنسبة إلى اللغة الإنجليزية، والإذاعة الباريسية بالقياس إلى اللغة الفرنسية، والإذاعة السوفييتية باعتبار اللسان الروسي إلى غير ذلك.
على أن كل ذلك لا يمنع دوامية قيام المشكل الذي يبدو حينئذ في مظهره السيكولوجي-الحاجي الصرف، كيف يشعر هؤلاء الشبان السكسونيون أو اللاتينيون أو الجرمانيون أو الصقالبة بمسيس الحاجة إلى تعلم لغة سامية كالعربية؟ لماذا سيزجون أوقاتا ثمينة في تلقي أصول لسان لا يحسنون نحوه إلا أنه وسيلة للاسترزاق في المستعمرات أو المحميات!!
إن دورنا إذن أن نشعر كل هؤلاء بأن تعلم اللسان العربي لا يقل أهمية عن تعلم أية لغة كبيرة أخرى، وهذا يقتضينا أن نبدأ خطواتنا بالتعريف بمحاسن هذا التراث العقلي والفني الذي تعبر عنه العربية، والذي يشكل لونا جديدا آخر من ألوان المتعة الفكرية، تتيحه لغة الضاد لمن يقبل على تعلمها واستكناه مواطن الجمال فيها، والواقع أن الترجمة من العربية إلى غيرها من اللغات سيلعب أهم الأدوار في تحقيق هذا الهدف.
وقد أتيح لنا سابقا أن نرى هذا النوع من التهافت غير المحدود الذي قابل به الجمهور الأوربي ترجمة المجموعة القصصية (ألف ليلة وليلة)، فإذا نجحنا في انتقاء مجموعات منوعة من روائعنا الأدبية لنترجمها ونذيعها بين الأوساط الأوروبية والأمريكية فإننا سنصطنع بذلك للعربية جوا تجد فيه أمامها كثيرا من فرص الذيوع والانتشار.
هذا إلى أنه من الضروري أن تعمد الحكومات العربية إلى انتهاج سياسة (الإشعاع الثقافي)، فتهتم لذلك بافتتاح مجموعة من المعاهد والكليات في الشرق والغرب، للتعريف بالثقافة واللغة العربية، وما يستتبع ذلك من اجتذاب الجماهير إلى الإقبال على دراستها واستقصاء أصولها، وتتمحض ضرورة هذا العمل بالنسبة إلى الأقطار الإسلامية العجمية التي علينا حتمية نشر لغة القرآن بين الجماهير والكتل فيها. ولا إخال أن هناك نتائج غير إيجابية قد يمكن أن يتمخض عنها هذا العمل الهام، وخاصة في المناطق التي تنعم فيها لغتنا بنفوذ روحي هائل، نتيجة لارتباطها بمعنى الإسلام في الذهنية المسلمة.