دعوة الحق، س.1، ع10 /ابريل 1958 .................... ص 45
على أن كل ذلك لا يمكن أن يكشف عن طيب الثمرات إلا إذا كان لهذه اللغة منزلة خليقة بالاعتبار، في نفس الأقطار المنتسبة إليها، وإلا فلا مفهوم مطلقا لأن نتلمس للعربية أسباب الذيوع في الخافقين فيما نجدها في مواطنها الأصلية وهي توشك -في بعض الحالات على الأقل- أن تصبح أداة التعبير والتفاهم الثانية.
فمن المعقول أن تكون هذه الرقعة الممتدة من مضيق جبل طارق إلى الخليج العربي مجالا رحبا لسيادة الضاد، تلك السيادة التي لا يمكن أن تستكمل جميع صورها إلا إذا صار الأجانب في أي نقطة من نقط المنطقة وقد أصبح كل منهم يحس -لا بتأثير الإكراه ولكن تحت ضغط الحاجة- بأن عليه واجب معرفة العربية لتيسير وسائل استيطانه بالبلاد أو تعامله معها.، ونفس الأمر في ميدان العلاقات بين العرب والأمم الأخرى، حيث أنه من الممكن أن نزجو هذه الشعوب إلى الاحتفاظ بقسط من الاعتبار للعربية إلى جانب اللغات الأخرى، لإمكانية الاتصال والتفاهم والتعامل.
ولا أحسب أن هناك من يعزو هذا الاتجاه البرئ إلى أصول قوامها الأثرة والتهوس، فالأمر لا يعدو نطاق خطة تستهدف العمل على الرفع من شان لغة قيمة يمكن -إذا أقيم لها ما لغيرها من الاعتبار- أن تسهم في تجلية معاني الإنسان، كما تعين على تنمية مفهوم الحضارة والإفصاح عن مكنوناتها ودقائقها للأجيال المقبلة، بالإضافة إلى إمكانية مساعدتها على تعزيز جانب التفاهم والتعارف بين المجموعة الأميمة من جهة، وبين أعضاء الأسرة الدولية من جهة أخرى.
وبالجملة فان مسؤوليتنا -أمة العرب- نحو الضاد، لا يمكن أن تفضي -في بعض النواحي- إلى نهايتها، إلا إذا نجحنا في إتاحة الفرصة لها مرة أخرى لتصبح -إلى جانب اللغات الكبرى- أداة التفاهم بين الدول، والتعارف بين الشعوب، وحينذاك نكون قد أسدينا لأنفسنا وللإنسانية خدمة جليلة يحفل بها التاريخ، ويباركها الضمير الإنساني الواعي.